منتديات بورتسودان دريم

مرحبا بكم زوار منتديات بورتسودان دريم يسعدنا انضمامكم الينا كاعضاء فاعلين في منتداتنا
منتديات بورتسودان دريم

علي الحب نلتقي يجمعنا حلم الرقي بمنتديتنا الرائعه

المواضيع الأخيرة

» منحة التوظيف من سوبر سمارت اكاديمى اسئلة واجوبة حبيت انقله ليكم للاستفادة
الأحد يناير 12, 2014 11:24 am من طرف احمد عبدالعظيم

» بورتسودان ، عروس على شاطئ الجمال
الثلاثاء ديسمبر 24, 2013 6:51 pm من طرف شذى الياسمين

» كيف نقي أنفسنا من أشعة الشمس الضارّة فى فصل الصيف ؟
الأربعاء أبريل 17, 2013 4:46 pm من طرف shery adel

» الحب تلك الكلمة المكونة من حرفين
الثلاثاء أبريل 16, 2013 8:12 pm من طرف shery adel

» موضوع جميل عن الصداقة ........!
الخميس أبريل 11, 2013 10:17 pm من طرف shery adel

» أنآقـــه اللسآن
السبت أبريل 06, 2013 9:00 pm من طرف shery adel

» أفضل شيء عند الشباب والبنات....................
الإثنين أبريل 01, 2013 6:04 pm من طرف shery adel

» كل ماسكات التبيض للبشره والجسم
الأحد مارس 31, 2013 4:20 pm من طرف shery adel

» سبوع بس وهتحصلي علي معده مشدوده وجسم مثلي
الثلاثاء مارس 26, 2013 3:14 pm من طرف shery adel

التبادل الاعلاني

سحابة الكلمات الدلالية


    تاجوج عصرها (قصة من الخيال)

    شاطر

    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    تاجوج عصرها (قصة من الخيال)

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في السبت أكتوبر 06, 2012 3:51 pm

    تاجوج عصرها
    1
    أحمد ابن الشيخ (أوشيك) ابن أحد شيوخ البني عامر.. نشأ وترعرع في مدينة الوجدان المشرقة (كسلا الوريفة).. شرب من منابع طيبتها من توتيل. وتلقى من بركات الضريح وتبريكات أبناء سيّد الضريح، حتى قصّة خصلة الشعر كما اعتاد أهله الطيبين.. مازال يذكر تماما تلك اللحظات الرهيبة (وكان عمره لم يتعد السنوات الخمس) حين أخذه جده لأمه بصحبة والديه إلى الضريح بعد أن غسلته أمه بالليفة والصابون في حمام بيت الجد والبسته العراقي (الساكوبيس) الجديد والسروال الطويل. (السروالوك) ذاك كان يوم ختانه وقصّ الخصلة الطويلة المتدلية من رأسه الاصلع حتي مؤخرة العنق. وركبوا سيارة خاله عبد القادر نصف النقل التي كانت مرخصة لنقل الركاب من كسلا السوق إلى حيّ الختمية الواقع على سفح جبل التاكا (توتيل) حيث البركة المتدفقة من بئر توتيل، وضريح السيد الحسن الكبير..
    لطالما حكت له جدته عن ذلك السيّد الكبير (أبوجلابية) و(دابي روندا) و(سيّد الضريح)
    وكثرة الأسماء تدلّ على عظمة المسمى.. ولكل إسم قصة حكتها له جدته بالتفصيل..
    يذكر منها قصّة الجلابية.. قالوا أن والد السيّد الكبير جاء للسودان زائرا من الحجاز، من مكّة المكرّمة، بلد جدّه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.. وقد تزوج من غرب السودان وترك زوجته حبلى و رحل. وكان يزورهم كل عام. وفي إحدى زياراته كان إبنه الصغير قد بلغ السابعة من العمر، فقرر أخذه مع أمه لمكّة المكرّمة لأداء فريضة الحج. وهناك التقى السيّد الصغير بأشقائة.. يقولون أنّ أشقاءه كانوا يرتدون جلابيب شديدة البياض (بوبلين) بينما يرتدي هو جلباب الدمّور.. ولمّا لاحظت الأم السودانيّة ذلك كطبع النساء تولّدت في قلبها غيرة.. فاحتجت على التفرقة. فقال لها والده:ـ أنظري لجلباب إبنك.. فلما التفتت لابنها وجدت جلبابه الدمور يشعّ نورا (فآمنت واقتنعت)
    أمّا حكاية دابي روندا، فيقال أنّ هناك جزيرة في وسط البحر الأحمر تسمّى (روندا) وأنّ هذه الجزيرة بها ثعبان مارد يحرسها، وكل من يقترب منها فمصيره الموت بنفخة واحدة من ذلك الثعبان.. نفخة من نار قادرة على إحراق بلدة بحالها.. ويقال أنّ السيّد الحسن الكبير كان في رحلة للحج عابرا البحر الأحمر.. فلمّا مرّ قرب جزيرة روندا، أمر قبطان السفينة أن يتجه نحو الجزيرة وأصرّ على ذلك. ورغم احتجاج من كانوا معه وخوفهم الشديد إمتثل ربّان السفينة لأمر السيّد الكبير (إذ كان يعرف أنّه رجل صالح) .. وما أن رست السفينة على شطّ الجزيرة، ظهر الثعبان اللعين، فبادره السيّد بنفخة من فيه فاحترق الثعبان اللعين وارتاح الناس من شرّه، والحكايات عن السيّد الكبير كثيرة ومثيرة.. واعتقادات القوم فيه كبيرة..
    ونعود لصاحبنا الطفل صاحب الخصلة.. وصل الجميع لسفح الجبل وتوجهوا نحو البئر المباركة وشربوا من توتيل وتبرّكوا من تراب وجدران الضريح. ثم من هناك توجهوا حيث يجلس السيّد الحسن الصغير حفيد السيّد الكبير. ولساعة كان الجد وابن بنته الصغير في انتظار دورهم للدخول.. وعند الباب الخارجي خلع الجد نعليه وتوجه حبواً نحو الصالون المهيب. واحتذى به الإبن لدقيقة واحدة قام بعدها جاريا نحو باب الصالون متعديا كل التقاليد واقتحم الصالون وجلس على حجر السيّد الحسن الذي تلقاه بابتسامة ترحيب وسأله عن إسمه ومع من حضر وكان يعرف جدّه.. فوجه له الصغير أسئلة متلاحقة..
    هل أنت أبو جلابية؟؟؟
    أنت دابي روندا ؟؟؟
    فلمّا أجابه السيّد بالنفي وأنّ ذاك كان جده، ماكان من الصغير إلا أن سأله:ـ
    إذن لماذا يقصدك كلّ هؤلاء الناس.. ولماذا يدخل جدي حابيا؟؟؟
    وقبل أن يجيب السيّد كان جدّه قد وصل حابيا وقبّل يد السيّد واعتذر له عمّا بدر من الصغير وأراد أن يضرب الطفل فمنعه السيّد وقال له:ـ
    دعه فهو جاهل ولا يدري شيئا، ولسوف يكون لابنك هذا شأن عظيم..
    وتمّ قصّ الخصلة الممشّطة بيد السيّد وكان الطاهر الطهّار بالقصبة والموسي ينتظر خارج الصالون لإجراء عملية الختان..
    أحداث لم يمحها الزمن من ذاكرة الأستاذ أحمد أوشيك رئيس شعبة اللغة الإنجليزية بمدرسة كسلا الثانوية..
    كبر الطفل أحمد أوشيك وترعرع بين الحضر والخضرة في حي الميرغنية جوار السوق حيث كان والده يعمل تاجراً في سوق المدينة يبيع لأهله القادمين من البادية العجوة والزيت والبن والسكر والشاي وغيرها من احتياجاتهم المتواضعة.. وكان الوالد مستور الحال وقد عمل على أن ينشئ إبنه الوحيد (أحمد) وبناته الثلاث (فاطمة، مريم وزهرة) نشأة دينية وعلي الخلق الكريم. وأدخلهم خلاوي تعليم القرآن وكانوا قد حفظوا أكثر من نصف القرآن قبل دخولهم المدارس. وكان مهتما بتعليمهم أشدّ الإهتمام وخاصة أحمد الذي كان متفوّقاً في كل مراحل التعليم حتى تخرج من معهد المعلّمين العالي. (كليّة التربية حاليّاً) أما البنات فقد تزوجن جميعا بعد أكمال المرحلة الثانوية وقد اختار لهنّ الوالد ممن نالوا الشهادات العليا من أبناء جلدته وهم قلّة في ذلك الزمان..
    زوّج بناته ممّن اختار وترك لابنه الخيار. فاختار أحمد بنت الجيران (هند) وكانت تنتمي لقبائل الشمال النازحين إلى كسلا منذ الحرب العالمية الثانية. كانت هند بنت جارهم سر الختم غاية في الجمال والأدب والرقي، محبوبة من كل شباب الحي، وكلّهم يتمنى أن تكون من نصيبه. وأحمد متعلّم وتقيّ ومهذّب ويستحقها تماما، لكن أمّ هند كانت معترضة على زواجها منه بحجة اختلاف العادات بين القبائل.. لكن البنت كانت تريد أحمد ووالدها أيضاً يريده لمعرفته بحسن خُلقه وتدينه.. وتغلّب رأي الوالد وابنته وتمّت الموافقة ورضخت الأم. لكنها لم تكن كارهة لهذا القرار. فهي تعرف أحمد منذ ولادته كما تعرف أمّه الجارة القريبة الحبيبة، أقرب الناس إليها.. لكنها أمّ العروسة الجميلة ولابدّ أن تتعزز ولو قليلا..
    وتمّ الزواج الميمون بعد أن تخرّج أحمد مباشرة وتمّ تعيينه معلّماً في مدرسة كسلا الثانوية بنين..

    هو حي الميرغنية العريق. جلّ سكانه من أبناء الشمال من شايقيّة وجعليين. معظمهم عاد من معركة (كرن) في الحرب العالميّة الثانية. وكانوا يعملون عساكر وسائقين في الجيش الإنجليزي حيث حاربوا مع الحلفاء، وقد أبلوا بلاءً حسنا إثر وعد كاذب من الإنجليز بمنح البلاد إستغلالها بعد الحرب مباشرة.. وفي حكاية تحكي عن اللواء حسن بشير نصر (له الرحمة) أنّه كان في الحرب يعمل على مدفع مضاد للطائرات.. وكانت الأوامر أن يضربوا أي طائرة تعبر أجواء كرن. وظهرت طائرة من على البعد فاستعدّ الضابط الصغير لضربها.. فقال له زميل له إنتظر قليلا حتى نتبيّن هويّة الطائرة.. فردّ عليه حسن بشير:ـ (عليّ الطلاق لو بقت مشلّخة شايقية أضربها)
    وبعد انتهاء الحرب فضّل معظم المحاربين من أبناء الشمال البقاء بمدينة كسلا لسببين:ـ.
    أوّلهما:ـ سعة وخصوبة الأرض الزراعية في كسلا على امتداد ضفاف القاش شرقا وغربا..
    وثانيهما:ـ مجاورة ضريح السيّد الحسن الكبير. وكان الميرغنيّة قد ورثوا من جدّهم الكبير كلّ أرض يقع عليها ظلّ الجبل (كما يقولون) وهذا يعني كلّ شبر من أرض كسلا الوريفة. ولكن السادة منحوهم الأرض بالتزرعة. (حيث يتقاسمون معهم ريع الأرض) وأصبح كلّ منهم يمتلك ساقية كبيرة تتراوح مساحاتها بين الخمس والعشرة فدادين وقد تزيد. وكان أهلنا في الشمال يعانون من ضيق الأرض، لذلك فرحوا بجزيل عطاء السادة لهم. وكانت نظرة السادة بعيدة، حيث ضمنوا الولاء الطائفي والسياسي فيما بعد.. وصار كبار القوم خلفاء للسادة، يجمعون لهم نصف المحصول من كل السواقي. وكان ولاءهم للسادة كبير. ولكن بمرور الزمن وتعاقب الأجيال صارت الأرض لمن يفلحها أو يلفحها، (على قول الرئيس الراحل جعفر نميري له الرحمة) ولم يبق على العهد إلا القليل..
    ماعلينا..
    نجح أحمد وتخرّج من معهد المعلّمين العالي متخصّصاً في اللغة الإنجليزية. وكان معلمو الإنجليزية من السودانيين قلّة في ذاك الزمان. وكانت وزارة التربية تستقدم معلّمي الإنجليزي من بريطانيا ومعلّمي العلوم والرياضيات من مصر. وكان المعلّمون الأجانب يتقاضون مرتباً ضعفاّ لما يتقاضاه السودانيون.. بعكس مايحدث في العالم كلّه.. (لا أدري لماذا) وكان المصريون يغتربون عندنا ويرجعون لبلادهم محمّلين بالمال والهدايا.. أما الخواجات فكانوا يعتبرونها سياحة. وأذكر أن كان لنا أستاذ إنجليزي يصغرنا سنّاً، وكان يسكن جارا لنا في حيّ الميرغنية غرب. وكنت أحيانا أجدة ماشيا في الطريق وأردفه أمامي على الدرّاجة (الرالي) حتى مكتبه داخل المدرسة.. كان أحيانا يستوقفني أمام كشك الليمون ليشرب كوبا ويعود لي ولم يدعني مرّة لمشاركته كوب الليمون. وفي مرة سألته:ـ
    (How old are you Mr. …..)
    فأجاب:ـ
    (Iam old enough to teach English)
    تزوّج أحمد من هند أجمل بنات الحيّ، بل المدينة كلّها في حفل بهيج، إختلطت فيه نغمات الطنابير.. بعض يعزف ألحانا من الشمال مع أزيز كفوف الشباب القادمين بعض من الشمال والبعض من السواقي الجنوبية يشاركون أميرتهم الحسناء أفراح زفافها إلى ابن الشرق المخضرم..
    والبعض يعزف بدونا أوووو بدونا مختلطة بصليل السيوف ورقصات بديعة والسيوف على النحور.. والكل قد شبع من اللحم الضأني المشوي على الحصا سلاتاً شهيا..
    وكان شهر العسل فوق الهضبة الأثيوبية في أديس أبابا (الزهرة الجميلة) وكان العسل ممتعا والطبيعة جميلة والجو لطيفا فوق الهضبة. كان العروس لطيفا حقاً، يدلّل عروسته ويناديها أمّ تاجوج.. حكى لها أنّه قد أحبّها منذ كانت طفلة وكان يسميها تاجوج زمانها.. لكنه الآن يحلم بأنّها ستنجب له إبنة تفوق تاجوج جمالاّ ويسميها تاجوج..
    وحكى لها قصّة أميرة الشرق تاجوج وزوجها وحبيبها المحلّق كماسمعها من أهله وقرأ عنها:ـ
    تاجوج اجمل قصص التراث في شرق السودان وفي منطقة كسلا تحديداً وقد ارتبط اسم الجمال بالمنطقة وذلك لجمال الطبيعة فيها ولجمال تاجوج..
    وهذه حكاية تاجوج كما وردت في كنب المؤرّخين..
    هناك في قرية عنـاتر بين سفوح التاكا ورباها وعلى ضفة نهر سيتيت الشرقية وفي ادغال واحراش السنط والسدر والأندراب والهجليج والبان.. وبين قبائل الضباينة وبني عامر والشكرية والأحباش عاشت قبيلة الحمران ردحاً من الزمن هادئة البال مرتاحة في مقرها الجديد بعد ان فارقت موطنها الأصلي في ميناء سواكن ملتقى البر والبحر والسحب والجبال، كانت قبيلة الحمران لا تخشى مطامع جيرانها حتى الأحباش لانها قد أعدت لهم رباط الخيل وصمدت لنزالهم بشجاعة فتيانها وشيوخها الذين اقتنوا الخيول لصد كل غاز وقد ذكر ها المؤلف السوداني ود ضيف الله واوضح قيمة الخيل عند الحمران.
    وفي أواسط القرن الثامن عشر للميلاد تقريباً أنجبت قبيلة الحمران عدة شبان برزّوا كغيرهم في ضروب البسالة والشجاعة وأختصهم الله بحب الطبيعة وجمالها فأوحت إليهم بالشعر فنظموا الشعر غزلاً وفخرا. ومن بين هؤلاء الشبان الذين سمعنا بشعرهم على بن محمد شقيق تاجوج والمحلّق بن علي زوجها، وغيرهما من شباب وشيوخ.
    ونشأت في القبيلة أيضاً فتاة بزّت قريناتها في الجمال والجاه، ناهيك بمن تنشأ في بيت العز والترف.. كان والدها عميد القوم ووالدتها فتانة ممشوقة القوام وقد امتدّ ملك أهلها من أقصى نهر سيتيت حتى سواحل البحر الاحمر. كانت هذه الفتاة هي تاجوج بنت الشيخ محمد بن علي بن محلق. دوّت أخبارها عبر الآفاق وتناقل الناس حديث جمالها وسارت الركبان تتغنى بما أختصت به من أدب وذكاء، وتسامر الفتيان بشهي حديثها ولذيذ خطابها. فتقدم المحلق إلى والدته يطلب منها أن تخطبها له من خاله. فأمتثلت الأم وطلبت من أخيها ابنته تاجوج لأبنها المحلق. فرضي الخال ولكن بعد أن طلب مهراً غالياً كما اشترط أن يترك إبنها السلب وقطع الطريق.. فأستعان المحلق بوالده فوفّر له المال، وعاهد خاله الّا يقطع الطريق.. وتم عقد القِران بين الزغاريد والدفوف والرقص. عاشت تاجوج تحت سقف الزوجية وكانا أسعد زوجين في القبيلة.
    ولم يكن المحلق معصوماً وكانت له علاقات حب وغرام مع بعض الفتيات قبل قرانه بتاجوج كدأب أغلب الفتيان في البوادي والمدن وخاصة أولئك الذين يتبعون الكلأ بمواشيهم، ومن ذلك ما بلغنا من رواة ثقات حادثة جرت لهذين الزوجين كانت فاتحة الشر بينهما. ونذكرها هنا بحذافيرها لأن حياتهما لم تهنأ بعدها:ـ
    قيل أن المحلق خرج من خبائه في ليلة شديدة المطر و الرعد والبرق وحملق ببصره ليرى اتجاه المطر والأنحاء التي ستحظى بأغزرها. فكان وميض البرق على سهول قوز رجب. ثم هبت عليه رياح الأمطار من تلك الديار. فتذكر اياماً جميلة قضاها مع صديقة له في تلك الديار ماله من يبعث اليها بشوقه وذكرياته الحلوة وأحلامه اللذيذة إلا لمعان البرق وقصف الرعد وهطول المطر وهبوب الريح وجالت في مخيلته هواجس الاحبة فملكت عليه مشاعره وأنسته موقفه الذي فيه فأنشد : بشِدْ واركبْ على الياخُذ لُه عَنّه
    فِريوْةَ الرّيفْ مَعَ الّتوبْ المِتِنّى
    يَتِبْ عجلانْ قِبُل ما نْلمْ رَسَنّا
    بيوتْ نُورَة أمْ شِليْخ وين من أَهَلْنَا
    فلاح له إيماض البرق ثانية من نفس الجهة فودّ لو أستطاع أن يركب جمله
    البشاري السريع الذي يثب قبل ان تتمكن أفخاذ المحلق من السيطرة عليه , فقال يصف حالته تلك :
    بشد وأركب على ودّ البشارى
    فريق الريف من المحزم تجارى
    يتبْ عجلان قبُل ما الم حكارى
    بلِيدْ نُورَة أم شِلِيخ اللّيِلة طاري
    ثم قال:ـ
    بشِدْ واركبْ على أب زرداَ مدانَةْ
    مِتِل وَدّ الأرايلْ في البطانَةْ
    نِضوهو من كريكر اليوم ترانا
    نساري الليل على خدّيرْ فلانة
    وبينما هو ساهم في تأملاته وأسفاره الوجدانية ناسياً كل ما حوله وينشد ذلك بصوت عال, سمعته تاجوج فخرجت من الخباء لترى ما أعترى هذا العاشق المتيم الولهان الذي حرك البرق ولمعانه في قلبه الذكريات, فأنبعثت الأشعار من صميم فؤاده. فوجدت نفسها أمام بعلها وجهاً لوجه فأخذت تحرق الأرُم من الغيظ والغيرة, وأنقلبت أسارير ذلك الوجه النضير إلى الكآبة والعبوس, وكاد يقضي عليها من الحسرة والأسى ولولا صبرها لقتلته. وما أهاج ثورة غضبها إلا الخوف والجزع على من وهبت قلبها له وأحبت الحياة لأجله, فلن تسمح لقلبه أن يميل مع الهوى أو ترضى أن تنزعه منها إحدى بنات حواء فتنغّص عليها عيشها وتجعل حياتها كلها نكداً وبؤسا. فقالت له: أعدْ الابيات التي قلتها الأن.. فأجابها, قلت:ـ

    أمكْ دَبَاسَة وفُوقْ الفُروعْ
    وأنتِ بتشبهي المُقْد الفُروعْ
    سخلة مصنة الطيب ما فيك ضلوع
    ليلة فَرِدْ يوم تازن سبوع

    فقالت له: أعدْ الأبيات التي قلتها الأن. فأجابها قلت:ـ

    أمك دباسة وفوق الشَدر
    وانتِ بتشبهي المقد الكجَرْ
    سخلة مصنة الطيب مافيك فِقَرْ
    ليلة فَردْ يوم تازنْ شهرْ
    فقالت : ما هكذا قلت . فأجابها , قلت :
    أمك دباسة وفوق القنا
    وانتِ بتشبهي المقد اللي انحنى
    سخلة مصنة الطيب ما فيك جَنى
    ليلة فرد يوم تازن سنة
    فقالت بغضب: والله ما هكذا قلت . نسيبتك إن لم تعد لي ما قلت ... فحار المسكين في أمره, وعلم أن كل ثناء سكبه لأستدرار عطفها لم يجد نفعاً, ولم يخفف من غضبها وشدة أنفعالها فخضع أمام الحلف العظيم وجلاله، وهو قسم لا يمكنه أن يتريث في تنفيذه والتقاضي عنه والاستهتار به. فقال لها وأنفه راغم قلت:ـ
    " بشد واركب .. الخ...
    ولكن قال ذلك في صوت كسير يشوبه الخجل والحرج الشديد. فأنفجرت تاجوج باكية, وذهبت الى دار أبيها لا تلوى على شئ تشكو حليلها الذي لم يخص لها وحدها وده وحبه بل ما زال يشرك معها في قلبه صويحباته أيام طيشة ونزقه. ولكن كان ابوها الشيخ محمد حكيماً ويعلم طبائع الجنس اللطيف. فردها الى بعلها بعد أن أقنعها أنّ زوجها نبيل وعفيف.. فعلمت تاجوج أن عطف أبيها ومحاباته لابن أخته. فقالت: لن أعود الى منزل المحلق مالم يقصرشعَره عليَ دون أن يشرك معي خليلة أخرى. فرضي المحلق بالشرط مسرورا, وعاهدها على ذلك ثم تدفقت قريحته وتمكن منه الحب والكلف بها، فملاً البوادي كلها بمنظوم شعره يتغزل في تاجوج ويعتز بحبه لها . ومما قاله فيها متغزلاً:ـ
    فصّْ الماظ مركب فوق مجــــمّرْ
    فصّْ عينيك يا أم خشماً مجمّرْ
    فوقْ بستان تحت سالك مضمّرْ
    جليدك طاقة الكيدي المنمّرْ
    وقا ل ايضاً :
    ما بِتْجيكْ تَمشِي وتخبْ
    وما دنقرت حلبت شخبْ
    وريقاتك الفوق الصــــلبْ
    جَرّحَـــــنّي داخل القلبْ
    ويقول بعض الرواة:
    أنّ تاجوج وأمّها أصرّتا على الطلاق وبحيلة.. فكان الطلاق واقعاً عليه بعد معاهدة سابقة. إذ طلب منها أن تتعرّى فوافقت بشرط أن يستجيب لطلب لها ملح، رفضت أن تعيّنه له.. فوافق المسكين، ووافقت وتعرّت له.. وكان طلبها بعد التعرّي الطلاق.. فوقع المحلق في شر أعماله واعترته حالة من الذهول وفقد الذاكرة وصار يتغنى باسم تاجوج وهو محرم عرفياً ذكر المرأة أماً واختاً فضلاً عن الزوجة والحبيبة. وكان محلق صاحب ملكة فنية وصوت رائع في الغناء فصار يتغنى باسمها النهار والليل، إلى أن ذهبوا به للأطباء والمشايخ والفقهاء وأصحاب الملكات في مقارعة السحر لكنه داء الحبّ لايستجيب لدواء.
    ويقول بعض الرواة أنّ المحلّق كان متفقاً مع صديق له شاعر. وثقب خباء تاجوج ليرى صديقه زوجته وهي عارية، ليصدّق مايجريه شيطان شعره على لسانه من وصف دقيق وتفاصيل أقرب للخيال عن جمال جسدها.. وكانت تاجوج تعرف ذلك وقد أوصت أمّها لتراقب الخباء وتضبط صديقه متلبساً فيكون لها الحق في طلب الطلاق.. ولكن هذه الرواية يدحضها العقل السليم.. إذ لم تكن تتناسب مع طبائع العربان المشهورين بفروسيتهم وغيرتهم الشديدة على أعراضهم.. وللمجنون زائغ العقل ديوان كامل في الشعر وكله روائع ينعى فيه أيامه الماضية والحاضرة.. وأكثر الناس من الاضافات والخرافات حتى صار اسم تاجوج واسم المحلّق أسطورة وليس واقعاً عاشه الناس. وانتهى حال المحلق ضائعاً مغلوباً على أمره. وكانت نهاية حياة تاجوج بمأساة كانت هي ضحيتها إذ اغتالها شيخ من قطاع الطريق في ضاحية من ضواحي التاكا جنوب كسلا الحالية، بسبب تنازع أفراد العصابة على من ستكون له تاجوج فتسلل الشيخ وغرس خنجره المسموم في قلبها لما رأى أفراد عصابته يقتتلون عليها.. ودفنت تاجوج في ذلك المكان حيث أشجار الدوم والهجليج وصار بالمكان مدرسة باسم تاجوج...



    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    رد: تاجوج عصرها (قصة من الخيال)

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في السبت أكتوبر 06, 2012 4:06 pm

    2

    2
    أعجبت هند بحكاية تاجوج والمحلّق أيّما إعجاب وعلقت القصة بخيالها. وكما يقولون توحّمت أو توهّمت على تاجوج فانجبت تاجوج عصرها.. وكانت تفوق تاجوج الأصل جمالا..
    قامة كبواسق النخيل
    عذوبة بصفاء توتيل..
    سلسبيل من سرّة النيل..
    سبحان الخلاّق.. يقولون أنّ الإسم يعطي المُسمى قسطاً من صفات المُسمّى عليه ولو عُشرا من صفاته.. لكن الإبنة تاجوج أخذت كلّ الكل ويزيد جمالاً، حسنا وغنجا.. وتفوّقت على الأصل تحضّراً ومدنيّةً، أدبا وحياءً ودينا..
    بدت على الطفلة اليافعة معالم وتقاطيع أنوثة مبكّرة ملفتة للنظر وهي لم تتعدّ الرابعة من عمرها.. كانت تتمتع بصحة وحيوية أخافت والديها من أن تصيبها عين من معجب أو حسود.. الطول والقوام المعتدل والخصر والكفل والصدر العالي معالم غريبة على طفلة في هذا العمر المبكّر.. كانت أمّها تلبسها الملابس الفضفاضة، إذا خرجت من الدار أو زارتها جارة.. وأبوها الأستاذ المخضرم منعها الذهاب للخلوة لتعلّم القرآن مع قريناتها وآثر أن يعلّمها بنفسه بمساعدة أمّها في البيت.. أترابها من بنات عماتها والجيران يأتينها للعب معها في دارها، ولا تذهب إليهنّ في دورهنّ.. جنى عليها جمالها المبكّر العجيب فحرمها حريّتها.. ولا لوم على والديها فقد كانا محقّين في خوفهم عليها وآثرا حجرها وحرمانها متعة الطفولة من باب توخي الحذر وتفضيل أخفّ الضررين..
    ويوم الخميس والجمعة كانا يومي سعدها حيث الجدة البني عامرية تستضيف الأسرة الصغيرة عشاءً يوم الخميس وتخصص لحفيدتها الجميلة ساعة من الزمن، تؤانسها وتحكي لها تراث القبيلة وتاريخ أجدادها الأشاوس وجداتها الجميلات وخاصة تاجوج الأصل ومحلّقها.. وحفظت منها أشعار المحلّق عن ظهر قلب.. ولم تهمل حفظ القرآن الكريم من والديها..
    وكان يوم الجمعة يوم القراصة بالقمح المرسل من الشمال خصيصاً لوجبة إفطار الجمعة.. والجدّة بشلوخها الأفقية تحكي مهيرة بت عبود ومعركة كورتي وهوى يالباشا قول لي جدادك كر.. لكن تاجوج كانت تاجوج.. حكاوي البني عامرية تتقلقل في وجدانها أكثر.. لكنها تحبّ القراصة والتمر القنديلة والكُُلُُم.. فطعام معاوية أدسم والجلوس مع علي أكرم ولا توجد كومة بينهما للجلوس عليها.. لكنها على كل حال لا تملّ الجدة للأم وتنام على حجرها نهاراً وهي تحكي لها وتغمرها بحنانها..
    وبلغت الخامسة من عمرها وجسدها الغضّ يزداد فخامة ويتفجّر أنوثة وجمالاً مهيبا. والوجه بلون القمح واستدارة تمام البدر.. والعنق كوصف جدتها قارورة العصير والقمر بوبا عليك تقيل.. والشعر العسجد، على الضفائر قد تمرّد فتدلى وما انسكب.. ولكن لابدّ مما ليس منه بدّ.. قرّر الوالدان إدخالها المدرسة الإبتدائيّة (الأساس) القريبة من دارهم.. كان سن الدخول للمدرسة سبع سنوات لكن فخامة الجسد حتّمت عليهم أدخالها مبكرا ليتقارب حجمها مع زميلاتها.. وبالرغم من قرب المدرسة من الدار فلم يتركها والدها تذهب أو تئوب من وإلى المدرسة إلا برفقته صباحا ورفقة والدتها ظهراً.. وكانت ترتدي العباءة والبرقع فوق الزيّ المدرسي، ولا تخلعهما في الشارع أبدا. وفي مرة، وكانت في الصف الثاني.. طلبت منها إحدي المعلمات أن تقف على التربيزة أمام الفصل وترقص والبنات يرددن (بدونا أووو بدونا) وأعطتها متر الخشب بدلا عن السيف.. لكن الصغيرة أصرّت على الرفض. وضربتها المعلّمة بالمتر على ذراعها الغضّ، وتورّم الذراع.. وخبّأت تاجوج الصغيرة أثر الضرب عن أمّها، ولكن أخبرتها واحدة من زميلات تاجوج فغضبت الأم وانتظرت الوالد الأستاذ بالخبر. وغلى دم البني عامري وفار زبده وبدا كالبعير الهائج.. مما أخاف الأم هند وجعلها تستنجد بوالدها تلفونيا لتهدئته.. هدأ الأعرابي ولكنه بات ساهرا ولم يلتق جفناه حتى الصباح. وفي الصباح أخذ إبنته الجميلة واقتحم بها مكتب المديرة وقد عادته حالة الغليان والزبد.. لكن المديرة كانت حكيمة. إستدعت المعلّمة أمامه ووبختها بعنف شديد ولم تترك لها جنبا تتكئ عليه.. وهدأ الأستاذ أحمد بل طلب من المديرة أن تخفف من ثورتها على المعلّمة المسكينة التي لم تكن تفصد شيئا ولولا خوفه الشديد على ابنته بسبب جمالها الغير عادي لكان الأمر عادياً.. واعتذرت المعلّمة عمّا بدر منها وبكت وقبلت رأسه فقبل اعتذارها وعفا عنها، وطلب من المديرة ألّا تتخذ ضدّها أي إجراء..
    كانت تاجوج دائما تحرز المرتبة الأولى على صفّها رغم أنها تصغر زميلاتها بعامين.. لكنها تفوّقت عليهنّ فخامةً وجمالاً وذكاءً.. ورغم صغر سنّهن لم تخل معاملة زميلاتها لها من غيرة بريئة من الحقد والحسد..

    تبلورت تاجوج تزداد حسناً وجمالاً وحيوية يوماً بعد يوم. وكلّما تقدم بها العمر عاما من الزمان، أزداد جمالها وتفتّقت أنوثتها وازدادت حيوية وجمالاً.. ولم تكن وحيدة والديها، بل رزقهما الله بولدين محمّد ويصغرها بعامين، وأبوبكر جاء بعد مجمّد بعامين أيضاً.. وكانت تغلب عليهما سحنة البني عامر بصورة كبيرة.. وكانا مثلها أذكياء ومهتمين بالدراسة. كان ثلاثتهم دوما الأوائل في فصولهم.. ذلك لاهتمام الأب المعلّم ورقابة الأم اللصيقة.. وتاجوج تتقدم وتتفوّق على زميلاتها ذكاءا وفطنة وجمالا.. وامتحنت من الصف السادس للمرحلة المتوسطة فكانت أولى الولاية بلا منازع.. واستمرت في تفوقها في المرحلة المتوسطة.. وحين وصلت الصف الثالث للمرحلة المتوسطة، كانت مديرة مدرستها تقسم واثقةً بأنها سوف تحقق المرتبة الأولي على الولاية. وقد أبرّ الله قسمها ولم تخيّب تاجوج ظنها فكانت الأولى على الولاية.. بل حققت مجموعا لم يحققه تلميذ في القطر بأكمله.. وكان الإحتفال بها مرّتين، الأول أقامته مديرة المدرسة وحضرته زميلاتها في الدفعة وأولياء أمورهنّ. وكان احتفالا رسميا أفتتحته مديرة المدرسة (بعد أن قدمت الأستاذ أحمد لتلاوة آيات من الذكر الحكيم) إفتتحت المديرة الحفل بكلمة ضافية أشادت فيها بالإبنة التلميذة النجيبة الجميلة تاجوج عصرها.. التي رفعت رأسها وراس والديها وكل أهل المدينة الطيّبين.. كما أشادت بكل زميلاتها في الدفعة اللائي حققن للمدرسة ولأوّل مرّة المرتبة الأولى على مدارس الولاية (كسلا الكبرى) كلّها.. ثمّ أشادت بالمعلّمات اللائي مابخلن بالجهد الكبير من أجل تحقيق النتيجة المشرّفة. كما أشادت بالآباء والأمهات وما بذلوه مع بناتهم من الجهد وسهر الليالي. وتعاونهم الكبير مع المدرسة الذي كان أهمّ عناصر تحقيق النجاح الكبير. وبعدها تحدّث الأستاذ أحمد، فشكر الأستاذة المديرة والمعلمات وعبّر عن فرحه الكبير بابنته تاجوج عصرها وبما حققته المدرسة من نجاح. ثمّ كان برنامج الأحتفال من تلميذات الصفوف الأصغر. وبدأن الحفل بلقاء مع أم تاجوج، لتحكي فيه عن ابنتها الجميلة ومتابعتها اللصيقة لها منذ السنة الأولى وحتى تحقيق النتيجة العظيمة. وتخلل الحفل كلمات وأشعار وأناشيد عبّرت عن الفرح الكبير..
    ثمّ كانت الكرامة في داري الأسرتين المتجاورين في الميرغنية.. لم يشهد الدارين مثل هذا الحفل البهيج حتى في يوم عرس والدي تاجوج. ذبحت الذبائح تترى في الدارين المفتوحين منذ الصباح الباكر لكلّ أهل الحي والأقرباء والأصدقاء وعابري الطريق.. وكان الشواء على الحصا وعلى الجمر والموائد الدسمة تخرج من الدارين تترى. ثمّ التقى طنبور الشرق وصليل سيوفه، بطنبور الشمال وأزيز كفوفه ورقص الجميع شيباً وشباباً رجالاً ونساءً منذ عصر تلك الجمعة السعيدة وحتى منتصف ليلها
    ثمّ كانت المفاجأة الكبرى

    ورقصت تاجوج مع صليل السيوف..
    ورقصت تاجـــــوج مع أزيز الكفوف..
    ورقصت تاجوج مع صليل السيوف..
    ورقصت تاجـــــوج مع أزيز الكفوف..
    ورقصت تاجوج مع صليل السيوف..
    ورقصت تاجـــــوج مع أزيز الكفوف..
    ورقصت تاجوج مع صليل السيوف..
    ورقصت تاجـــــوج مع أزيز الكفوف..








    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    رد: تاجوج عصرها (قصة من الخيال)

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في الأحد أكتوبر 07, 2012 8:01 pm

    خالد البدوي بابكر كتب:2

    3

    هاهي تاجوج عصرها قد تخطّت المرحلة المتوسطة أو قل الثانوية العامة. تسميات أصبحت تتغّيّر وتتبدل مع تغيّر الأنظمة السياسية ومزاجات وتنظيرات وزرائها. وتدنى المستوى العام بسبب هجرة المعلمين، طلبا لستر الحال وقد كان من قبل مستورا. وكما حكينا فقد كنّا نستجلب المعلّمين من الخارج ونعطيهم الراتب ضعفاً. وقد أصبحنا الآن لانطال عنب اليمن ولا بلح الشام. فلا نستطيع إستجلاب معلمين من الخارج، ولا حتى قادرين على الإحتفاظ بكفاءاتنا المحلية.. والأدهى والأمرّ أنّ تلاميذ المدارس أصبحوا يعتبرون التعليم مضيعة للزمن لأنّ خريجي الجامعات وإن وجدوا عملا بعد تخرجهم، فإنّ مايتقاضونه من أجر يكاد لا يكفي مصروفات إنتقالهم والإفطار. ناهيك عن التفكير في تحقيق ذاتهم. والزواج وتكوين الأسرة. وهذا لا يتأتى إلّا لمن إغترب عن البلاد إن كان ذو حظ عظيم.. وأصبح جُُلّ الشباب بعد نيلهم للشهادة الثانويه يقبعون في بيوتهم، وظلالّ الضحى والعصر تنوء بهم، ينتظرون إخوتهم وأقرباءهم المغتربين حتي يرسلوا لهم الفيزا وعقد العمل.. هكذا كانوا ينتظرون حتى يجعل الله لهم مخرجا ويغتربون. أمّا بنات حواء فقد انتهزنها سانحة وكان اهتماهنّ بالدراسة والوظيفة أكبر، وفاض كيل دواوين الدولة بهنّ. وأصبحن يمثّلن الغالبية العظمى في إدارات الخدمة المدنية.. وتفاقمت مشكلة العنوسة.. فالعروس المغترب يأتي ويختار الغضّ النضير ويعود ظافراً بحنائه تاركاً وراءه العروسة الصغيرة تغالب معاناة الهجر والحرمان سنين عدة.. ولا يخفى علينا الضرر الواقع على المجتمع من جرّاء هذه الظروف القاهرة..
    تفوّقت تاجوجنا على التفوّق في كل مجالاته. ذكاءً ونبوغا، جمالاً غضاً وأنوثة متفجّرة.. وهاهي قد أصبحت كبيرة ومسئولة عن نفسها.. وأتاح لها الوالدان بعض الحريّة. وأصبحت تركب مع زميلاتها حافلة الترحيل من وإلى المدرسة. ذلك رغم أنّ والدها كان قد امتلك سيارة، وأنّ مدرسة البنين قريبة من مدرستها. لكنه فضّل أن يتيح لها بعض الحرية. لكنها كانت بإصرار من جدتيها ترتدي العباءة وتغطّي وجهها خوفاً من العين العنيّة، الكافرة النصرانيّة.. وهاهي قد أكملت عامها الأوّل وأحرزت المرتبة الأولى بلا منافس.. وبعكس المراحل السابقة كانت تحسّ بغيرة بعض زميلاتها مشوبة بحقد شديد.. كنّ (بعضهنّ) يعلّق على حرصها الشديد على لبس العباءة خارج المدرسة.. وكثيرا ماكانت تسمع بعض التعليقات الجارحة وتتقاضى.. كانت ثقتها بنفسها كبيرة ولا تلتفت لمن يحاولنّ مضايقتها، مما زاد من غيظهنّ وحقدهنّ عليها..
    والدها كان يداوم على الذهاب لمدرستها من حين لآخر للإطمئنان عليها، وماكان يفعل ذلك مع أخويها وقد كان محمد في الثانوية العامة وأحمد الصغير في الإبتدائى.. وقد كانا مثل تاجوج محافظين على المرتبة الأولى بلا منافس..
    وفي ذات يوم وتاجوج عائدة من المدرسة وكانت أول من ركب حافلة الترحيل، وجدت امرأة في عمر جداتها تجلس داخل الحافلة..
    نادتها المرأة باسمها وطلبت منها أن تجلس بجانبها. وأخبرتها بأنها تعرفها تماما منذ ميلادها، وقد كانت تسكن في حيّهم، لكنها ارتحلت لقريتها عناتر التي تقع على نهر سيتيت (ديار تاجوج الأصل) .. وأمسكت المرأة بخمارها وكشفت عن وجهها بسرعة وهي تردد:
    (ما شاء الله.. تبارك الخلّاق قد صرت والله عروسةً جميلة، أجمل من تاجوج نفسها.. كنت أعرف أنّك ستفوقين تاجوج جمالاً)
    قالت لها تاجوج:ـ (شكرا لك ياعمة، ولكن كيف عرفت أنني تاجوج، ولم كشفت عن وجهي؟؟ وماذا تريدين منّي؟؟).. وكان عدد من الطالبات قد ركبن الحافلة ولكن تاجوج كانت في حالة تركيز شديد على وجه المرأة الغريبة ولا تأبه بماحولها.. وتحركت الحافلة (البص) وكانت المرأة كانت ماتزال تتحدّث مع تاجوج وتسألها عن حال والدتها وجدتيها وعمّاتها بالإسم وبحميميّة جعلت تاجوج تطمئن لها.. ثمّ قالت لها:ـ
    :: لماذا ترتدين العباءة وتخبّئين جمالك تحت هذا السواد القاتم.. لماذا لا تكتفين بالزي المدرسي مثل زميلاتك؟؟
    // ياعمّة أنا قد اعتدت على هكذا لبس منذ صغري ولا أستطيع تركه ما حييت..
    :: لكن المحلّق يريد أن يرى مفاتن عروسته فكيف يراك؟؟
    // وأين هو المحلّق؟؟؟
    :: إبني إسمه المحلّق وهو يتابعك منذ صغرك وهو مغرم ومجنون بك.. وهو الذي أرسلني إليك.. أنظري من النافذة، ها هو المحلّق يريد أن يبلّ شوقه منك..
    ونظرت تاجوج من نافذة الحافلة، ورأت شابا وسيما مربوع القامة يركب بعيرا أبيضاً ناصعٌ بياض لونه.. هو نفسه المحلّق العالق بخيالها منذ الصغر.. لطالما تخيلته وتمنّت أن تراه.. وقد اقترب من نافذة الحافلة، وهي ماتزال كاشفةً وجهها المشرق.. وابتسم المحلّق لها ابتسامة عريضة، وحيّاها رافعا سيفه، ثمّ غاب عنها بسرعة مدهشة..
    شعرت تاجوج بيد زميلتها هنادي تربّت على كتفها وتقول لها:ـ
    تاجوج، مالك اليوم ساهمة هكذا ولاتغطّين وجهك كالعادة؟؟؟ أنزلي يا حبيبة فقد وصلت منزلكم..
    إلتفتت تاجوج فلم تجد المرأة، بل وجدت صديقتها هنادي تجلس بجانبها.. ولا محلّق ولا أمّه ولاتلال ولا جبال في الأفق إلا جبل التاكا البعيد الذي يبدو قريبا لارتفاعه الشديد.. ولم تبد تاجوج مشاعرها المضطربة أمام زميلاتها.. وغطّت وجهها ونزلت متجهة نحو دارها بثبات عجيب..

    دخلت تاجوج المنزل وقد انتابها إرهاق شديد من جراء ماحدث لها. وعلى غير عادتها ارتمت على أقرب سرير في الصالة (خارج غرفتها) وانكفت على وجهها وعيناها مغمضتان.. لاحظت أمّها حالتها فأسرعت إليها بكوب من الليمون البارد، وجلست بجانبها وانحنت عليها وقبلتها وهي تقول:ـ
    // مالك اليوم يا تاجوج يابنتي يبدو عليك الإرهاق الشديد؟؟ هل تشعرين بشيئ؟؟ وأجلستها أمّها وسقتها كوب الليمون البارد، وعاودت السؤال عن حالها مالك يا ابنتي أنت اليوم تبدين متعبة؟؟ حدّثي أمّك يا بنيتي ولا تخفي عنها شيئ..
    :: تعلمين جيّداً يا أمّي أنني لا أخفي عليك شيئاً أبدا فقد عوّدتني على الصراحة.. وليس لديّ أحد غيركما أنت وأبي، ألجأ إليه.. لكن ما حدث لي اليوم شيئ غريب، وأخاف ألّا يصدّقني أحد..
    // ومن يصدّقك يا ابنتي إن لم أصدّقك أنا ؟؟ أحكي لي بالتفصيل، ولاتخفي عنّي شيئا.. فقد والله أقلقتني عليك..
    :: هل تذكرين يا أمي جارة لكم في عمر جدتيّ تدعى زينب ولها إبن يدعى المحلّق وهم من قرية عناتر.. تقول أنها كانت تسكن جواركم، ورحلوا إلى قريتهم وأنا صغيرة..
    // كلّا، كلّا يابنيتي، فجيراننا همو نفسهم الموجودين الآن، لم يتغيّروا ولم يتبدّلوا حتى قبل أن أولد أنا، ناهيك عن ميلادك أنت.. ولكن لماذا هذا السؤال؟؟ وأين التقيت بهذه المرأة؟؟
    :: اليوم يا أمي، وقبل قليل وجدتها في حافلة الترحيل، ونادتني باسمي وطلبت مني الجلوس بجانبها ونزعت البرقع عن وجهي، وتحدّثت معي حديث من يعرفني جيّدا.. سألتني عنك وعن جدّتيّ بالإسم، ووالدي وعمّاتي وكلّ الأهل.. وعندما سألتها (ماذا تريد مني).. أخبرتني بأنها قد حضرت من قريتها خصّيصاً مع إبنها المحلّق ليراني، وعلى حدّ قولها (ليبلّ نار شوقه لي ولرؤيتي).. وطلبت مني أن أنظر إليه عبر نافذة الحافلة.. فرأيته، هو نفسه المحلّق الذي بقيت صورته عالقةً بمخيلتي وكما كانت تصفه لي جدّتي تماما.. شاب وسيم رائع، يركب على ظهر بعير أبيض ناصع البياض، لم أر في حياتي مثل هذا الفارس ولا مثل بعيره.. حيّاني الفارس بابتسامة حذّابة وانصرف لحاله وتركني ساهمة فاقرة فاهي.. ولم أفق من دهشتي حتى نبّهتني صديقتي هنادي عند باب دارنا.. ووجدت هنادي تجلس بجانبي ولا وجود للمرأة.. هذا ما حدث لي يا أمي وأنا في كامل وعيي.. لهذا أخاف ألّا يصدقني أحد وتظنونني أتهيّأ أو أتوهّم خيالاً..
    :: لا يابنتي، لا عاش من يقول عنك واهمة وأنت سيّدة العقلاء.
    وفي هذه اللحظة دخل الوالد بسيارته. وقد كان محمّد إبنه يفتح الباب قبيل موعد حضوره وينتظره ليدخل بسيارته.. وقالت تاجوج لأمّها:ـ
    :: أرجوك يا أمي لا تخبري الوالد الآن، فربما يكون هذا الحدث عارضا لن يتكرر..
    // لا يابنتي سيغضب أبوك مني إن لم أخبره. أنت تعرفين حبّه الشديد لك واعتداده بك.. ومثل هذه الأمور تحدث كثيراً للبنات الجميلات في سنّك.. فلندع والدك يتغدى ويرتاح قليلا ثمّ نخبره.. علّه يجد لنا تفسيراً لما حدث لك..
    دخل الوالد و سأل عن تاجوج وقد كانت دخلت غرفتها ولم تستقبله بابتسامتها المشرقة كما عوّدته دائماً.. فأخبرته أمّها بأنّها بخير ومازالت في غرفتها تبدّل ملابسها.. وبعد أن تغدى أفراد الأسرة معاً ودخل الوالد الأستاذ غرفة نومه ليرتاح وزوجته هند برفقته كالعادة.. وسألها مباشرةً:ـ
    + مالها تاجوج اليوم؟؟ حالها لم يعجبني!!
    // تاجوج فكرها مشغول بشيئ غريب حدث لها اليوم . وقد حيّرتني.. لكن طلبت مني أن أدعك ترتاح قليلا قبل أن نشغل بالك بما حدث لها..
    + تحدثي يا أمّ تاجوج فقد أصابني قلق شديد عليها منذ أن رأيتها ساهمة على الغداء ولم تأكل شيئاً..
    وحكت له أم تاجوج الحدث بالتفصيل.. وسألته إن كان يجد تفسيراً لما جرى لدرّتهما الحبيبة الغالية.. فقال لها:ـ
    + لا تجزعي يا أمّ تاجوج، فابنتنا متديّنة وحافظة للقرآن ولن يستطيع هؤلاء الملاعين أن يضروها بشيئ..
    قام الوالد ودخل على تاجوج في غرفتها، ووجدها ماتزال ساهمة ومنكفئة على وجهها.. وأجلسها على السرير وجلس أمامها متربعا، وقرأ على رأسها آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين سبع مرات.. وطلب منها أن تقرأ سورة يس (وقد كانت تحفظها عن ظهر قلب) لكنّه طلب منها قراءتها من المصحف الشريف.. لأنّ الشيطان ربما ينسيها آيات منها، فهو لعين يعرف كيف يشغل بال من يتلو يس.. وأمسكت تاجوج بالمصحف لتقرأ يس، لكنها نامت قبل أن تكمل الآيات الأولى منها.. وجلس الوالدين وأخويها بجانبها وتلوا على رأسها يس جهرا. وهي تغطّ في نوم عميق..ولم يفارق الوالدين غرفتها (الام رقدت بجانبها تحتضنها والوالد نام في السرير الآخر حتى الصباح)..
    واستيقظت تاجوج ووالديها وصلّوا الفجر حاضراً معاً وجلسوا يتلون وردهم كالعادة.. وكانت تاجوج أصبحت وقد زال عنها الرهق والهم.. وشكرت والديها وأخويها.. على عطفهم الفيّاض واستعدّت للذهاب إلى المدرسة.. وكان والداها قد أحاطاها بحنان وعطف شديدين طيلة الليلة الماضية، وباتا ساهرين عليها يحصّنانها بآيات الذكر الحكيم.. وكانا موقنين أنّ عيناً ما قد أصابتها وأنّ علاجها الوحيد في القرأن والذكر.. ولم تركب حافلة الترحيل ذلك اليوم، وقد أصرّ والدها على أن تركب معه سيارته ذهاباً وإياباً..
    قضت تاجوج يومها الدراسي على أحسن الأحوال آمنةً مطمئنّة. ولم تلاحظ أيّ من زميلاتها ماجرى لها بالأمس سوى زميلها هنادي التي كانت صديقة حميمة لها وتجلس بجوارها دائما. وحين قابلتها في الصباح قالت لها:ـ
    (الحمد لله ياتاجوج أنّك قد أصبحت بخير. بالأمس في نهاية اليوم كنت مرهقة وقد كنت خائفة عليك. لكن الحمد لله) كانت صديقتها هنادي فتاة مهذّبة وجميلة (بالطبع جمال تاجوج لا مثيل له) لكن هنادي كانت تليها مباشرة.. وكان ترتيبها في الفصل الثانية أيضاً.. لكن تاجوج لا منافس لها فقد كانت درجاتها عالية وفوق مستوى المنافسة في كل المجالات..
    وبعد نهاية اليوم الدراسي. لم تخرج تاجوج مع البنات لحافلة الترحيل وبقيت في المدرسة في مكتب المعلّمات تنتظر والدها.. وما أن جلست على كرسي جوار إحدى معلّماتها، حتى شعرت بألم شديد في معدتها (لوّاية) كان ألماً غريبا ولاسبب له مع أنّها لم تأكل نصف الساندوتش الذي أصرّت أمها على وضعه في حقيبتها صباحاً.. وأخبرت المعلّمة بأنها ذاهبة لدورة المياه وهي تحيط خصرها الضامر بكفيها الرقيقين.. خرجت تاجوج قاصدة دورة المياه، وبعد قليل حضر والدها، فاستقبلته المعلّمة وأجلسته بعد أن أخبرته أنّ ابنته ذهبت لقضاء الحاجة.. وجلس الأستاذ أحمد يتجاذب أطراف الحديث مع مشرفة فصل تاجوج. وأسرّ لها بما حدث لتاجوج بالأمس: فشكرته المشرفة على ثقته بها، ووعدته أن تهتمّ بأمر تاجوج وتراقبها دون أن تشعر..
    مضى ما يزيد عن ربع الساعة وتاجوج لم تعد من دورة المياه، فإنتاب الوالد قلقا بسبب تأخرها، فقامت المعلّمة وطلبت من عاملة النظافة (الفرّاشة) أن تذهب لدورات المياه لتأتيها بخبر تاجوج لأنّها تأخّرت كثيراً ووالدها ينتظرها..
    وبعد قليل حضرت العاملة لتخبرهم بأنّ كلّ الدورات مفتوحة وخالية من أيّ تلميذة..
    وجنّ جنون الوالد، وخرج كالمعتوه إلى سيارته، فركبت معه المعلّمات الثلاث الموجودات بالمدرسة. وجابوا كل الشوارع القريبة والبعيدة من المدرسة بحثاً عن ضالّتهم تاجوج دون فائدة.. وأشارت عليه إحدى المعلّمات أن يذهب لمنزلهم علّها تكون قد ذهبت للبيت..
    إستجاب لها الأستاذ أحمد، واتّجه نحو داره...

    أكتـب يا فكي ما تقـول مريـضـــك طـاب
    فكـرك انشغـــلْ، قلمـــك مـليــتــو تـراب
    محـزوزة الضميـر العاليـة في القُرباب
    كـل الشَّـافــا جـنَّ، وخـلَّـى دارو خــراب











    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    رد: تاجوج عصرها (قصة من الخيال)

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في الإثنين أكتوبر 08, 2012 1:00 pm

    خالد البدوي بابكر كتب:
    خالد البدوي بابكر كتب:2

    3







    للصلاة في المسجد المجاور لهم ليسأل أستاذه عن حال من شغلت باله..











    عدل سابقا من قبل خالد البدوي بابكر في الثلاثاء أكتوبر 09, 2012 12:27 pm عدل 1 مرات

    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    رد: تاجوج عصرها (قصة من الخيال)

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في الثلاثاء أكتوبر 09, 2012 12:21 pm

    خالد البدوي بابكر كتب:
    خالد البدوي بابكر كتب:2

    4



    4
    وصل الأستاذ أحمد لداره برفقة المعلمات الثلاث، وقبل أن يترجلوا من السيارة، خرجت إليهم هند أم تاجوج لتخبرهم بأنّّ تاجوج بخير. قالت لهم، أنّه قبل أقلّ من دقيقة واحدة إتصل ضابط من مركز الشرطة وأخبرها أنّ تاجوج موجودة معهم بقسم الشرطة، وهي بخير، وعليهم الذهاب لاستلامها. لكنه لم يذكر لها أيّ تفاصيل أخرى..
    فرح الوالد وحمد الله على سلامتها، وهنّأتهما المعلمات وتحمدلنّ السلامة.. وركبت معهم هند أمّ تاجوج رغم اعتراض الأستاذ على ذهابها معهم لقسم الشرطة.. بعد أن قالت له (هن الراكبات معاك ديل ما نسوان ولّلا يعني شان مدرّسات وبعدين يا اخي تاجوج بتي بي جلالة قدرها قاعدة في القسم)
    (يللا خلاص أركبي خلّصينا) هكذا كان رد ا الأستاذ..
    (النبي يا اخواتي تشوفن غلاسة العربي ده)
    وتوجّهوا نحو القسم وهناك وجدوا تاجوج تجلس في مكتب الضابط ويبدو عليها إرهاق شديد ولمّا رأتهم إنفجرت باكية.. وبكت معها أمّها والمعلمات، وسالت دمعات الأستاذ الأعرابي تترى.. وأخذنها للسيارة، وبقي الأستاذ مع الضابط..
    فقال له الضابط الشاب:ـ
    // مرحباً بك أستاذي أحمد.. أنا من تلاميذك كنا في السنة الثانية عندما جئتنا أستاذاً وكنا محظوظين إذ تلقّينا اللغة الإنجليزية على يديك. ألاتذكرني؟؟؟ وركّز الأستاذ أحمد نظره إليه وقال:ـ
    :: بلى والله تذكّرتك جيّدا فقد كنت تلميذاً نجيبا يا يا يا موفّق ألست موفّقا؟؟؟
    // بلى أستاذي كانت أيّاما جميلة.. مالها تاجوج يا أستاذي؟؟ وهل هذة أوّل مرة تحدث لها مثل هذه الحالة الغريبة؟؟ فقد وجدها أحد أفراد الشرطة تمشي مسرعة وأحيانا تجري في طريق الختمية وكانت حالتها غريبة فشكّ في أمرها. فاضطرّ أن يمسك بها ويحضرها إلى القسم بعد أن قاومته بعنف شديد.. ولكن بعد حضورها للقسم كانت قد أفاقت، لكنها كانت مرهقة، وبصعوبة شديدة تحدّثت معي وأعطتني رقم تيلفون المنزل، حيث اتّصلت بوالدتها..
    :: شكراً لكم يا ولدي، فقد والله كنت منزعجاً جداً.. ولم تكن تاجوج تعاني من أيّ حالة نفسية فقط بالأمس...... (وحكى للضابط ماجرى لها بالأمس) ووقع على المحضر باستلام ابنته وخرج.. وخرج معه الضابط ليوصله حتى سيارته وهو يقول له:ـ
    // بصراحة يا أستاذي إبنتك تتمتع بجمال يفوق حدّ المعقول.. وحينما أحضرها الشرطي للمركز، خطر ببالي أنها ربما تكون حوريّة ضلّت طريقها من الجنّة (أستغفر الله العظيم).. وجمالها هو سبب حالتها هذه ولا أشكّ لحظة في أنّها مسحورة.. ولو سمحت لي يا أستاذي أنا أعرف شيخا ورعاً تقيّا يسكن في حي السوريبا.. ومستعد يا أستاذي أن أذهب معكم له. وأملي كبير قي أن يكون علاج حالتها على يديه.. فقد عالج حالات كثيرة أصعب من حالتها بكثير..
    :: لا مانع عندي ياولدي، أنا مستعد لعمل المستحيل من أجل شفائها.
    // إذن فقد اتفقنا يا أستاذي.. سوف أمرّ على الشيخ بعد قليل وأخبره بحالتها، ثمّ آتيكم بعد صلاة العشاء. فتاجوج ستكون محتاجة للراحة والنوم.. دعوها تنوم ولا تسألوها عن شيئ مماحدث لها حتى نقابل الشيخ..
    :: حسناً ياولدي، بارك الله فيك، وجزاك عنّا خيراّ..
    // يا أستاذنا أنت خيرك علينا سابق، ونحن تحت أمرك دائما، وسأكون في غاية السعادة إن تمّ شفاء تاجوج على يد الشيخ. وأكون قد رددت شيئاً يسيراً من أفضالك علينا..
    خرج الأستاذ والضابط (موفّق) في وداعه.. وأمر الضابط أحد أفراد الشرطة بأن يوصل المعلمات الثلاث بسيارته إلى منازلهنّ وركب الأستاذ أحمد سيارته مع تاجوج وأم تاجوج. وكانت أم تاجوج قد ركبت مع ابنتها في الكابينة الخلفية للسيّارة.. وطول الطريق كانت أمّ تاجوج تحتضن ابنتها ودموعها شآبيب.. وصلوا دارهم وكان الولدين محمد وأبوبكر (بكري) يقفان خارجاً عند الباب.. وفتحا الباب، وما أن دخلت السيّارة هبّ الولدان ليستقبلا أختهما الجميلة وأيديهما تلتف حول خصرها الضامر، وهي تمسك برأسيهما وتضمهما إليها.. كانت فارعة القوام، بينما هما قصيرين نحيفين، لكنهما يتمتعان ببية قوية بحيث يمكنهما حملها على كتفيهما.. أوصلاها حتى داخل غرفتها وأجلساها على سريرها. اضطجعت تاجوج على الفور من فرط تعبها، وأخويها على جانبي السرير يمسكان بيديها ويدسّان انفيهما في جسدها الغض ودخل الوالد ليطمئن عليها، وطلب من الولدين أن يتركاها ترتاح.. ثمّ دخلت عليهما أمّ تاجوج تحمل كوبا من الحليب البارد. أجلسها الوالدين وجلسا بجانبها يحتضنانها ويغمرانها حناناً، ويسقيانها كوباً الحليب البارد.. وكانت أمّ تاجوج تريد أن تسمع من ابنتها تفاصيل ماجرى لها، إلا أنّ الوالد طلب منها أن تتركها ترتاح حتى يحين موعد ذهابهم للشيخ الذي أخبره به تلميذه الضابط.. وأنّ الضابط سوف يأتيهم مساءً ويذهب معهم للشيخ.. إبتسمت تاجوج إبتسامة شاحبة.. ونظرت في وجهي والديها فأحسّت تساؤلاً عن سبب ابتسامتها.. فقالت:ـ
    // الضابط الذي هو تلميذك ياوالدي هو صورة طبق الأصل من المحلّق الذي جاءني مع تلك المرأة والذي جاءني اليوم واخرجني من المدرسة...
    :: ماذا تقصدين يا ابنتي.. هل تقصدين أنّ الموفّق هو نفسه الذي ..........
    // لا لا ياوالدي، لا يذهب فكرك بعيداً، فالضابط موفّق إنسان مهذّب. ومؤدّب وقد عاملني خير معاملة، وكان عطوفاً بي. أقصد أنّ هنالك شبه كبير جدا بينه و بين المحلّق..
    :: خيرٌٌ يا ابنتي، كلّ مايصيب المؤمن خير. أنت الآن مرهقة، فلندعك للراحة الآن..
    // أشعر بحاجة كبيرة للنوم فعلا. بارك الله فيك يا والدي وأطال عمرك.. أنا جدّ آسفة لماسببته لكم من تعب وقلق..
    // لا عليك يا ابنتي, سيجعل الله فيما جرى لك خيراً بإذنه تعالى.. لا تفكّري في شيئ، واخلدي للراحة..
    وخرج الوالدان لغرفتهما وتركاها لتنام، ودار بينهما حوارا عن حالة ابنتهما.. فقالت هند (أمّ تاجوج) :ـ
    + احمد، ينتابني شعور بأنّ لهذا الولد (الضابط) دوراً فيمايجري لابنتا تاجوج..
    :: لا لا، لا أظنّ ذلك فأنا واثق جداً من أخلاقه. فقد كان تلميذاً مثالياً في المدرسة. ومازال هو هو نفسه.. شعرت بذلك من مقابلته لي. واخترامه الشديد لي. ولو كان فعلاً له يد فيما حدث، لما ذكّرني بأنّه تلميذي. ولاتنسي أنّه ضابط شرطة، ولكن بالرغم من ذلك سأحاول التحقق من أمره حين يأتينا بعد قليل. فلا نتعجّلي في اتهامه..
    + وهل ستسأله؟؟؟
    :: لا لا طبعاً دعي الأمر لي.. سأتصّرف..
    وفي هذه اللحظة استأذنّ عليهم إبنهم محمّد ليخبرهم بحضور الضابط قبل موعده بساعة، وقد أجلسه في الصالون.. فخرج الوالد لاستقباله..
    :: مرحباً بك يا ولدي في دارك، وأشكرك على اهتمامك وحضوك المبكّر. فقد كنت فعلاً أتمنّى حضورك مبكّراً لنناقش الأمر قبل ذهابنا للشيخ..
    ــ وهل أخبرتكم تاجوج بما جرى لها اليوم؟؟ فقد كنت أعتقد أنّها متعبة ولا تستطيع..
    :: تاجوج لم تخبرنا بتفاصيل ماجرى لها، فهي متعبة فعلاً. لكنها قالت شيئاً غريباً أثار دهشتنا (أنا وأمّها) أمر يتعلّق بك أنت يا موفّق ياولدي لم نجد له تفسيراً..
    ــ علّه خيراً، أستاذي فقد والله أقلقتني..
    :: لا لا ياولدي لاتذهب بفكرك بعيدا.. هي فقط قالت أنّ الشخص (المحلّق) الذي يأتيها (ولا أشكّ لحظة في أنّه جنّي) قالت أنّه يشبهك تماما، الإختلاف فقط في كثافة وطول شعره، وملبسه، ومظهره البدوي..
    ــ يا لله هذا أمر غريب فعلا.. لكن أقسم لك يا أستاذي، أن ليس لي علاقة بالأمر. بل أنني لم أر تاجوج إطلاقاً قبل اليوم وداخل القسم..
    :: أنا واثقٌٌ تماماً تماما من صدقك وحسن خلقك يا ابني ولولا ثقتي بك لما حكيت لك..
    ــ شكراً لك أستاذي.. ولكن لاأخبئ عليك أنا أيضاً محتار في أمري. فمنذ أن ولجت تاجوج لقسم الشرطة، وقبل أن أعرف أنّها ابنتك، كان اهتمامي بها غير عادي.. فأنا أعمل ضابط شرطة منذ ست سنوات، وفد مرّت عليّ حالات إنسانية كثيرة، وكنت أتعامل معها كما يتعامل الطبيب مع مرضاه.. لكن حالة ابنتك هذه تعاملت معها وكأنني أعرف تاجوج من زمن طويل. بل كان إحساسي بها أكبر من ذلك بكثير..
    بصراحة يا أستاذي مازلت أحسّ بهذا الحدث وكأنّه حلم جميل (اللهمّ اجعله خيراً)..
    :: بارك الله فيك يا ولدي، وشكراً لك على صراحتك.. فقد والله زادت ثقتي بك..
    وفي هذه اللحظة دخل عليهم محمّد يحمل العصير والشاي بالحليب، وأسرّ لوالده أنّ أمّ تاجوج تنتظره خارجا.. فخرج إليها ليجدها قد سمعت من وراء الكواليس كلّ مادار.. وأخبرته أنّ تاجوج قد استيقظت وهي بخير وحالة جيّدة.. فطلب منها أن تحضرا هي وتاجوج وتجلسا معهما في الصالون.. وعاد لإكرام ضيفه..
    وبعد أن شربا معاً العصير والشاي، جاءت أمّ تاجوج وابنتها وبعد أن سلمتا على الضابط الموفّق، جلستا عى الكراسي المقابلة وبدأ الضابط بالحديث:ـ
    ــ تاجوج يا ابنة عمّي، في البداية أرجو أن تعتبرينني واحداً من أفراد أسرتكم الكريمة، فوالدك هذا أستاذي وفضله عليّ كبير، وأكنّ له كلّ الإحترام والتقدير.. وكلّ ما أرجوه منك أن تحكي لنا بالتفصيل كلّ ماتذكرينه منذ أن خرجت من مكتب المعلمات قاصدة دورات المياه، وحتى مجيئك لنا في قسم الشرطة..
    // أولاً شكراً لك يا أخي على الإهتمام الشديد الذي أحطتني به من الوهلة الأولى وقبل أن تعرف أنني ابنة أستاذك..
    كنت قد ذهبت لمكتب المعلّمات لأكون في انتظار والدي لأعود معه بعد نهاية اليوم الدراسي.. وفجأة وبدون أيّ مقدمات شعرت بألم فظيع في أمعائي. وخرجت قاصدة دورات المياه بعد أن أخبرت المعلّمة.. ولكن ولعجبي، ما أن خرجت من المكتب زال عني الألم تماماً.. وفجأة ظهر لي ذاك المحلّق عند باب المدرسة وهو يركب على بعيره (ناصع البياض) ويتغنّى بصوت رائع وجميل أبياتاً من شعر المحلّق الأصل..
    بَـشِــــدْ واركـبْ على أب زرداَ مـــدانَــا
    مِــتِـــل وَدّ الأرايــلْ فـي الـبـطـــــــانَـــةْ
    نَِضـوِّقــــو مـن كريـكـــر اليـوم تــرانـا
    ونســاري الليـل على الخُــدّيــرْ فـلانــة
    *************
    كضـبْ يـا ود جـويـل ماهــا السـمـيـنـة
    عـنـاق أم سـومــــري الخــدَّر عـسـيـنـا
    تسـوق الدِّيس علـى الرُّوبـة الدَّهــيـنـة
    وتـنقـلَّــع تـقــول ماسـكــاهـا طـيـنــة
    *************
    الناس بتلد الناس ساكت حسـادة
    وأمـك بتلـد الصيـد سمـح القلادة
    شعـراً بلا دايـوك هجـم الوسـادة
    وسِـنَّاً بلا مسـواك بـرق المَكـادة
    *************
    كَرْ يا ديـك تصيـح ماك البـراك سهران
    ما شُفـت القبيـل مرقـت على الجـيـران
    الـصَّـــادق يـقــول: أريَـلْ مِـن الغُــزلان
    والكاضِـب يقـول: خِلْقَــتْ بلا مُصْــران
    *************
    ووجدت نفسي بلا إرادة منجذبة نحوه. هو يبتعد عنّي كالسراب، وأنا أمشي وأحياناً أجري مسرعة للحاق به.. كنت مسلوبة الإرادة حقاً لكنني واعية تماماً بما يحدث لي.. وشعرت بذلك الشرطي الهمام يحاول أن يمسك بي وأنا أقاومه بلا إرادة مني.. ثمّ غاب عني وعيي، ولم أشعر بشيئ آخر حتي وجدتك بجانبي يا أبن عمّي، (بارك الله فيك وجزاك عني خير الجزاء)
    كان الوالدان والضابط قد سالت دموعمهم وهي تحكي فقال لها الموفّق:ـ
    ــ شكراً لك يا بنت العم على ثقتك وصدقك.. والآن قد حان موعدنا مع الشيخ فأرجو أن تجهزا أنت والوالدة للذهاب معنا بعد أن نصلّي العشاء أنا وأستاذي في المسجد..
    وعادا من المسجد، فتوجهوا بسيارة الموفّق نحو السوريبة.. وبينا هم في ذاك المنحنى المتجه إلى السوريبا بعد أن تجاوزوا حي الميرغنية.. وتاجوج تنظر من نافذة السيّارة، طلبت من الضابط أن يتوقف قليلا ففعل..
    كان المحلّق قد ظهر لها فوق الجسر المرتفع على ظهر بعيره الأبيض..
    أخبرتهم بذلك ولكنهم لم يروا شيئاً.. ومدّ لها المحلّق لسانه مستهزئا وبدأ ينشد بصوته الجميل وهي تردد وراءه...

    أكتـب يا فكي ما تقـول مريـضـــك طـاب
    أكتـب يا فكي ما تقـول مريـضـــك طـاب

    فكـرك انشغـــلْ، قلمـــك مـليــتــو تـراب
    فكـرك انشغـــلْ، قلمـــك مـليــتــو تـراب

    محـزوزة الضميـر العاليـة في القُرقـاب
    محـزوزة الضميـر العاليـة في القُرقـاب

    كـل الشَّـافــا جـنَّ، وخـلَّـى دارو خــراب
    كـل الشَّـافــا جـنَّ، وخـلَّـى دارو خــراب

    كانت تاجوج تريد أن يرى مرافقوها المحلّق، وتصرّ عليهم على النزول من السيارة ومتابعته ومعرفة حقيقته.. وحين رأت الكلّ واجمون وينظرون إليها نظرات شفقة واستغراب، عرفت أنّهم لا يرون شيئاً ولايسمعون.. فطفقت تبكي بحرقة شديدة وكأنها طفلة صغيرة.. فالتفت إليها الموفّق وقال لها:ـ
    يا تاجوج يا أختي لا تنزعجي ولا تبكي.. من الواضح أنّ هذا الجني قد عشق جمالك، وهذا يحدث كثيراً للفتيات الجميلات مثلك.. مع أنني لم أر في حياتي كلّها فتاة بمستوى جمالك. ومن الطبيعي جداً أن يحدث لك هذا.. والسبب دائماً يبدأ بعين الآدميين. والعلاج سهل جداً، فلا تخافي ولا تحزني.. كلّها دقائق ونصل إلى منزل الشيخ..
    هدأت تاجوج قليلا، فأدار الضابط محرّك السيارة متجها نحو بيت الشيخ عبد المؤمن. أوقف الموفّق السيارة أمام البيت ونزل بمفرده ودخل بيت الشيخ، ثمّ عاد إليهم بعد لحظات وطلب منهم أن يتفضّلوا بالدخول..
    [الشيخ عبد المؤمن، رجل لم يتجاوز الأربعين من العمر، نحيل الجسم، وضيئ الوجه، تبدو عليه علامات الصلاح والتقى بوضوح.. يجلس على سجادة على الأرض وأمامه مصحف كبير ومسبحة ألفية (لالوبة)
    نهض الشيخ من جلسته واستقبل ضيوفه بحرارة وابتسامة وضيئة.. وطلب منهم الجلوس على الكراسي الوثيرة التي تشكّل نصف دائرة أمامه.. وفتح المصحف وبدأ يتلو من سورة البقرة بتجويد وترتيل جميل.. وبعدها طلب من تاجوج أن تجلس أمامه على السجادة.. ثم بدأ يتلو من جديد آيات من سور مختلفة. وبعدها سأل تاجوج أن كانت تشعر بدوار في رأسها أو قلق.. فأجابت بالنفي.. وطلب منها أن تجلس على الكرسي.. ثم خاطبهم قائلاً:ـ
    :: الحمد لله، نحمده ونشكره لم يستطع هؤلاء الملاعين أن يمسوك بضرر أو يسكنوا جسدك.. وبهذا بفضل كثرة قراءتك لكتاب الله.. ولا شك أنك تحفظين شيئا غير يسير من كتاب الله.. حفظك الله يا ابنتي وما شاء الله تبارك الخلاق.. تا الله لولا أنّك محصّنة لهلكت..
    ونظر إلى والديها والضابط وقال لهم:ـ
    :: إبنتكم الكريمة تاجوج بخير وعافية ولا تحتاج علاج.. وقد حكي لي (جنابه) الموفّق مايحدث لها.. من ذلك الجنّي الملعون وأمُّه.. فبعد أن عجز الجنيّ من التقلقل في جسدها حاول أن يشوشر على حياتها، فبدأ يظهر لها في صورة المحلّق، لكنه لن يستطيع أن يمسّها مادامت متمسّكة بكتاب الله وتقرأ القرآن وتتحصّن..
    هنا سأله الضابط الموفّق:ـ
    // ولكن يا شيخنا أنت تقول أن الجنّي لا يستطيع أن يضرّها بشيئ، والضرر واقع عليها فعلا وقد سبب هذا الملعون لها ولأهلها ولنا جميعا مشاكل كثيرة، كلّنا قلق وخائف عليها لدرجة بعيدة..
    لا لا، لا تخافوا ولا تقنطوا من رحمة الله.. فهذا الجني وكل هؤلاء الملاعين لا يتحولون إلى بشر أو حيوانات أو أي مخلوقات أخرى إلا في حالة عجزهم ويأسهم عن التقلقل في جسد الإنسان.. وهذه حالة علاجها سهل جداً.. فالجني إذا تحوّل إلى بشر أو أي مخلوق آخر، يكون مثله تماماً، ويمكننا التعامل معه كما نتعامل مع نفس المخلوق الذي تحوّل إليه.. فمثلا، إذا تحوّل الجني لكلب، فيمكننا قتله بالعصا أو بالبندقية كما تُُقتل الكلاب.. ألا تذكرون قصة الجني الذي خنقه سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟؟
    وما على ابنتنا تاجوج إلا أن تحمل سلاحا في حقيبتها المدرسيّة، ويا حبذا لو كان مسدّسا.. وليس شرطاً أن يكون المسدّس حقيقياً، فهناك أسلحة (فشنك) ياجنابو أليس كذلك؟؟؟ والسلاح الأهمّ هو آية الكرسي.. فعليك يا ابنتي أن تكرري قراءتها بقدر ما تستطيعي..
    قال الضابط موفّق:ـ
    هذا علاج سهل وميسور ، فالمسدس الفشنك عندي في السيّارة وسأهديه لتاجوج منذ الآن.. وما عليها إلا أن تمسك بالسلاح الأمضى (آية الكرسي)
    وقام الأستاذ أحمد وشكر الشيخ كثيرا ورجع الجميع من عند الشيخ مطمئنين على تاجوجهم.. وما أن ركبوا السيارة، أخرج الموفّق المسدّس من درج السيّارة وناوله لتاجوج، وتحرّكوا نحو المنزل..
    وفي نفس المكان عند المنحنى توقف الضابط الموفّق فجأة وطلب منهم أن يستنطوا.. يالها من مفاجأة كبرى، سمع الكلّ الصوت الشجيّ قادما من بعيد، ويردد نفس أبيات شعر المحلّق التي ردّدتها تاجوج عند ذهابهم.. لمنزل الشيخ... والصدي يردد الصوت هذه المرّة.. وطلب الضابط من تاجوج أن تمسك بالمسدس وتترجّل عن السيارة، وتطلق طلقتين بمجرّد ظهور الجنّي لها.. وبدأ الصوت يقترب ويظهر جليّا وللجميع هذه المرة...


    فكـرك انشغـــلْ، قلمـــك مـليــتــو تـراب

    محـزوزة الضميـر العاليـة في القُرقـاب

    كـل الشَّـافــا جـنَّ، وخـلَّـى دارو خــراب

    وأطلقت تاجوج النار من المسدّس فدوى صداه عالياً فذعر الضابط وعرف من الصوت أنّه أخطأ خطئاً جسيماً، فقد أعطى تاجوج مسدّسه الحقيقي بدلاً عن الفشنك.. وكان المسدس من العيار الثقيل الذي يستخدمه ضباط الشرطة.. لذا كانت ردّته شديدة على الأنامل الرقيقة ووقع المسدس على الأرض، فذعر الموفق بمجرد سماعه لصوت الطلقة ونزل مسرعاً والتقط المسدس وركبت تاجوج السيارة وهي ترتجف من الخوف.. وحاول الموفق أن يداري خطأه فقال:ـ
    : الحمد لله لقد نجحت خطتي تماماً فقد أعطيتك مسدّسي الحقيقي حتي يتيقن الجني الملعون من جدّيّتك فيخاف وقد نجحت بحمد الله.. ولكن قولي لي هل اختفى الجنّي قبل أم بعد إطلاقك للنار..
    // لا لا لقد اختفى قبل إطلاقي للنار..
    وهنا تدخّل الوالد قائلا:ـ كان الأفضل أن تخبرها لتأجذ حذرها..
    : لا ياعمي أقصد يا أستاذي، لو أخبرتها بالحقيقة لما استطاعت أن تضغط على الزناد.. وقد قصدت أن يعرف الجنيّ الملعون جدّيّة الأمر.. فلربما يستطيع التعرف على نوعيّة السلاح (وهكذا إستطاع الموفّق تبرير خطئه الجسيم) وبعدها إقترح عليهم الموفّق أن يرجعوا للشيخ ليخبروه بماحدث. فوافقوا على ذلك.. وعند دخولهم على الشيخ بادرهم الشيخ قائلاً:ـ
    * بالتأكيد هناك أمر مستجد.. فقال له الموفّق:ـ
    :: نعم ياشيخنا فقد قابلنا الجني عند المنعطف نفسه والغريب في الأمر، أننا كلّنا سمعنا صوتة وهو يترنّم بنفس أبيات شعر المحلّق..

    أكتـب يا فكي ما تقـول مريـضـــك طـاب
    فكـرك انشغـــلْ، قلمـــك مـليــتــو تـراب
    محـزوزة الضميـر العاليـة في القُرقـاب
    كـل الشَّـافــا جـنَّ، وخـلَّـى دارو خــراب
    وقد تأكد لنا بمالا يدع مجالاً للشك أنّ الجني يأتي لتاجوج حقيقةً وأنّها لا تعاني من أي حالة نفسية.. لكننا سمعنا فقط ولم نر شيئاً.. وقد أطلقت عليه تاجوج النار من مسدسي الحقيقي، لكنه اختفى قبل إطلاقها النار..
    "" ومن قال لكم أنّ تاجوج بها شيئ؟؟ فقد سبق وذكرت لكم أنّ تاجوج ما شاء الله، تبارك الله محصّنة تماماً، ولن يستطيع الجن أن يمسّها بشيئ على الإطلاق.. هو فقط يحاول الولوج إلى جسدها، وعندما يعجز عن ذلك يسبب لها الإزعاج والمتاعب.. وقد استغلّ الجنيّ اللعين تعلّقها عاطفيا و ذهنيا بقصة تاجوج والمحلّق الأصل.. ولكن ياتاجوج يابنتي الآن بعد أن عرفت سبب انجذابك وراء ذلك الملعون.. فعليك بطرد صورة المحلّق من خيالك. عندها فقط سوف تتغلبين على الملعون.. ولكن عليكم جميعاً بالحذر الشديد. فطالما قد أسمعكم هذا الملعون صوته، فهذا يكشف عن نيته على توجيه ألاعيبه لبقيّة أفراد الأسرة.. وسيحاول خداع تاجوج بالظهور لها في صور أخرى.. فكما قلت لك يا ابنتي عليك بآية الكرسي في كل خطوة تخطينها.. وعند ملاقاتك لأي شخص، حتى أبوك وأمك، قد يجيئك في صورتهما.. فهو بعد أن يئس من التقلقل فيك، حتماً سيحاول الإضرار بك.. لكن لا تخافي، سوف نستعين عليه بالواحد القهّار.. ولن يستطيع مسّك بسوء..
    قالت تاجوج:ـ
    // جزاك الله عنّي كلّ الخير يا شيخنا وزادك علماً، فقد والله (بعد الذي تعلّمته منك) صرت لا أخشى الجنّ الأحمر نفسه وأتمنى أن أجده أمامي الآن فأقتله...
    "" لا لا يابنتي هؤلاء الملاعين لهم أساليب وألاعيب خادعة.. فقط كما قلت لك يكون سلاحك في حقيبتك دائماً.. وآية الكرسي وتلاوة القرآن يومياً هو السلاح الأمضى..
    ودّعهم الشيخ، فانطلقوا وكلّ منهم يردد آية الكرسي وحتى الضابط كان مرعوباً أكثر من تاجوج.. ويعتقد أنّ الجنّي سيحاول الإنتقام منه.. وعبروا المنحنى ألى الميرغنيّة مروراً بشارع السوق، حتى وصلوا منزلهم سالمين..
    ومرّ أسبوع كامل لم يظهر فيه الجني فاطمأنت قلوب الجميع.. ورجعت تاجوج لحافلة الترحيل.. وكان الموفّق الضابط يهاتف أستاذه يوميا للإطمئنان على صحة إبنته تاجوج.. وأحيانا يأتي خصيصاً للصلاة في المسجد المجاور لهم ليسأل أستاذه عن حال من شغلت باله..












    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    رد: تاجوج عصرها (قصة من الخيال)

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في الثلاثاء أكتوبر 09, 2012 10:32 pm

    خالد البدوي بابكر كتب:
    خالد البدوي بابكر كتب:
    خالد البدوي بابكر كتب:

    5
    وفي يوم وتاجوج خارجة من باب المدرسة متجهة نحو حافلة الترحيل، وقد غطت وجهها ببرقعها عند الباب، رأت سيّارة الضابط وبداخلها الموفّق عند باب المدرسة. وبينما هي تتجه نحو الحافلة ناداها الموفّق، ودعاها للركوب معه ليوصلها لمنزلهم. وقال لها أنّ والدها يعلم بحضوره لها وقد أذن له بذلك.. وكانت تاجوج تمسك بيد صديقتها هنادي.. وعلى الفور ردّت على الموفّق:ـ
    // أناآسفة ياسيادة الرائد.. لم أعتد الركوب مع رجل بمفردي، فهذا أمر لا يرضي الله، ووالدي لا يأمرني أبداً أن أعصي الخالق.. وحتى لوكان ذلك صحيحاً وجاء والدي معك هنا، وأمرني بالركوب معك، فلن أطيعه وأعصي أمر الله. طاعة الله فوق طاقة الخلق..
    عندها أدار الضابط محرّك سيارته وانطلق وكان يبدو محموقاً عليها.. التفتت تاجوج على صوت الشيخ وراءها فوجدته يمسك بمسبحته ويردد:ـ
    "" شاطرة يا تاجوج.. شاطرة يا تاجوج..
    وركبت تاجوج الحافلة مع زميلاتها ووصلت إلى منزلها ولم تذكر شيئا لوالدتها.. إنتظرت حتى عاد والدها وقبل أن يخلع ملابسه قالت له:ـ
    // والدي العزيز هل أرسلت لي الضابط الموفّق اليوم ليحملني بسيارته من المدرسة..
    : كلا يابنتي وهل جننت حتى أفعل ذلك؟؟؟
    // سلمت يا والدي من الجنون.. كنت متأكّدة من أنّه يكذب. فقد وجدته ينتظرني أمام باب المدرسة وطلب مني الركوب معه.. وأخبرني أنّك على علم بذلك.. لكنني بالطبع شككت في أمره، ورفضت الركوب معه.
    فانطلق بسيّارته بسرعة جنونية وهو غاضب..
    : آآآآآه يابنيتي هل نسيت حديث الشيخ معك.. أين كانت أسلحتك.. أو لم يحذرك الشيخ من هذا الجني اللعين.. اليوم أتاك في صورة الضابط، وغداً يأتيك في صورتي أنا وبعدها يأتيك في صورة أمّك.. أين كان عقلك؟؟ لماذا لم تقرأي آية الكرسي وأنت تغادرين باب المدرسة؟؟ لماذا لم تشهري المسدّس في وجهه؟؟؟
    // لا تخف عليّ يا أبي.. فلن يستطيع الجني جرّي وراءه مرّة أخرى.. حتى الشيخ أظنّه يتابعني فقد وجدته يقف ورائي ويردد (شاطرة يا تاجوج) والآن فهمت مغزي ثنائه عليّ..
    : حسناً دعيني أتأكد من ظني.. وقادها من يدها نحو التيلفون وهاتف الضابط في مكتبه..


    وقادها من يدها نحو التيلفون وهاتف الضابط في مكتبه..
    “” هالوووووو يا موفّق أسعد نهارك يا ابني..
    + مرحبا أستاذي الجليل نهارك أسعد..
    "" موفّق هل ذهبت لمدرسة تاجوج قبل قليل في نهاية اليوم ؟؟
    + لا يا أستاذي أنا لم أر تاجوج منذ أن ذهبنا معاً للشيخ..
    "" تاجوج تقول أنّك جئتها في نهاية اليوم وطلبت منها أن تركب معك لتوصلها للمنزل.. كما أنّك قلت لها أنني على علم بذلك وقد أرسلتك لها لتحضرها من المدرسة..
    + يا أستاذي العزيز لو كان هذا الإتهام الخطير جاءنى من غيرك أنت وتاجوج لما همّني الأمر كثيراً ولدافعت عن نفسي كما ينبغي أن يكون.
    ولكن يا أستاذي ............ أناقادم إليكم على الفور. خمس دقائق وأكون معكم.. وقالت تاجوج:ـ
    // حراااااام عليك يا بابا جننتو جن..
    وحضر الموفّق بعد دقيقتين فقط ومعه إثنين من ضباط الصف الكبار سناً.. وكان يحمل مصحفاً في يده.. ورحب بهم الأستاذ أحمد وأدخلهم الصالون. ولم يجلس الموفّق بل بدأ يتحدّث وهو واقف..
    + أقسم لك يا أستاذي أنني لم أغادر مكتبي خطوةً واحدة منذ الصباح وقد كنت مشغولاً جداً في إعداد تقرير مطلوب منّي أن أرسله لقسم الإحصاء برئاسة الشرطة بالخرطوم.. وهؤلاء الأعمام وهم في سن والدي كانوا معي منذ الصباح.. ومستعدين أن نقسم على كتاب الله على صحة ما قلت.. وأنا أعتبر ما قالته الأخت تاجوج إتهام خطير في حقّي.. ولو فعلت مثل هذه الفعلة أقدّم إستقالي من الشرطة فوراً..
    “”موفّق يا ولدي ومن قال لك أنني أتهمك؟؟ أنا أعرفك كما أعرف تاجوج ابنتي تماماً.. وهي لم تكذب، إنّ ذلك الجنيّ الملعون هو الذي جاءها في صورتك ويقود نفس سيارتك وطلب منها أن تركب معه ليوصلها إلى المنزل. وقال لها أنني الذي أرسلتك لها.. صدّقني يا ولدي بمجرّد أن حكت لي تاجوج الحكاية، عرفت أنه ذلك الملعون.. ولو ركبت معه تاجوج لكانت الكارثة.. ولكن بحمد الله فأخلاق تاجوج وحسن تربيتي لها أنقذاها من الضياع.. ولو جاءها ذلك الجنيّ الغبيّ في صورتي أنا لركبت معه.. ولكن بحمد الله هذه الحادثة ستجعلها حريصة على استعمال السلاحين (آية الكرسي والمسدس) إن حاول الملعون تكرار فعلته.. لكنني لا أخفي عليكم خوفي الشديد عليها. فهؤلاء الملاعين ألاعيبهم كثيرة.. وهناك شيئ آخر لم أقله لك. قالت تاجوج أنها وبعد مغادرة الجني بسيارته، وجدت الشيخ خلفها وهو يقول لها (شاطرة ياتاجوج)
    فقال الموفّق:ـ
    + أستاذي الجليل أنا أشك في ذلك فليس هذا من أساليب الشيخ وهو لا يدّعي أنّ له قدرات خارقة. أسمح لي ياسيّدي أن أتصل عليه وأخبره بما حدث فرغم تلفونه عندي..
    واتصل الموفق على الشيخ وأخبره بكل ماحدث.. فقال له الشيخ أنّ الذي ظهر لها في صورتي أيضا جنيّ من أجل تضليلها، حتى تعتقد أنني أحرسها فتهمل تحصين نفسها من شرورهم..
    ثمّ بعدها إلتفت الموفّق إلى أستاذه وقال:ـ
    + لي عندك طلب يا أستاذي..
    "" أنت تأمر يا ولدي وطلبك مجاب بإذن الله إن كان في حدود استطاعتي..
    + أريد ابنتك تاجوج زوجةً لي على سنّة الله ورسوله..
    "" والله يا ولدي لو خيّروني أن أخطب لتاجوج، ما اخترت غيرك.. فأنت رجل تخطب، لكنني أرى أن الوقت غير مناسب لذلك.. فتاجوج تعاني من مصائب هؤلاء الملاعين، وأرى أن نرجئ الأمر لحين تخلّصها من هذا الكابوس الذي جعلنا جميعاً نعيش في توتر دائم..
    + عذراً أستاذي، فأنا أخالفك الرأي، وأرى في زواجي من تاجوج خيراً لها وعلاجاً جزرياً لهذا الكابوس والتوتر الذي أصابني أنا أيضاً. وتا الله منذ أن رأيت ابنتك تاجوج في ذلك اليوم (ولا أدري بم أصف ذلك اليوم هل هو يوم تعيس بدأت فيه المتاعب؟؟ أم هو يوم سعيد إلتقيت فيه بك يا أستاذي وبكريمتك تاجوج) منذ ذلك اليوم وقبل أن أعرف أنّ تاجوج إبنتك أحسست بأنّ الله قد أرسلها لي لتكون تاجاً على رأسي. ولم يفارقني طيفها لحظة منذ أن رأيتها.. وهانحن قد علمنا تماما (يوم سمعنا صوت ذلك الملعون) أنّ تاجوج ليس بها علّة، وماتراه حقيقة.. وفي رأيي ورأي الشيخ أيضاً أنّ زواجها سيكون فيه الحلّ والعلاج..
    "" في الحقيقة يا ولدي حديثك فيه منطق.. ولكن هناك اعتبارات أخرى تدور في رأسي.. أولّها أخاف أن يكون شعورك نحو تاجوج مجرّد إشفاق بحالتها.. فأنا أعرف أنّك إنسان عاطفي.. والشيئ الآخر، أنّ تاجوج ترغب في إكمال دراستها ودخول كلية الطب، وسيكون الزواج والخلفة عائقاً يعترض رغبتها.. علماً بأنها متفوّقة في مدرستها بدرجة كبيرة ونأمل أن تكون الأولى على مستوى القطر كلّه..
    + معذرة أستاذي أما اعتقادك الأول بأنّ رغبتي في الزواج بهاإشفاقاً بها، فهذا ليس صحيحاً. فتاجوج تملك كلّ مقوّمات الزوجة الصالحة. وقد خبرت ذلك من تصرفاتها الواعية. وفي اعتقادي أنّ كل شاب يرى تاجوج يتمنى أن تكون من نصيبه.. أمّا عن الدراسة فلن أكون عائقاً أبداً يعترض طريقها.. فأنا لست متعجلاً للخلفة وسنترك أمر الخلفة حسب الظروف.. وأرى أنّ دراسة الطب لا تتناسب مع طبيعة تاجوج وشخصيتها، فمهنة الطب متعبة وصعبة.. ويمكنها أن تدرس الصيدلة مثلاً.. وسوف أترك الأمر لها في النهاية، تقرر ماتريد..
    "" حسناً يا ولدي، (أرى أنّ الحوار قد غلب شيخه) .. بقي شيئ واحد هو موافقتها..
    وفي هذه اللحظة دخل عليهم إبنه الطفل الصغير أبوبكر وقال في عفوية:ـ أختي تاجوج موافقة على الزواج من ضابط البوليس.. أنا أعرف ذلك وهي وأمي قد سمعن كلّ حديثكم.. وهما فرحتان بخطبة الضابط لتاجوج..
    ""(إمش يا ولد جاتك داهية).. (ولما خرج الولد قال:ـ) وهاهي الموافقةقد جاءتك من أبوبكر.. هكذا النساء ياولدي، يعرفن ما يدور بيننا من حديث حتى ولو كان همساً..
    + هل تعني أنّ كلام الصغير أبي بكر صحيح ويعتمد عليه؟؟
    "" بالتأكيد ياولدي فهذا الشقي قد ورث النضوج من جدوده لأمه، أما أخوه الأكبر محمّد فهو أعرابي مثلنا.. ولكن ليطمئن قلبك دعني أتأكد من صاحبة الشأن.. ودخل الأستاذ لمشاورة العروسة..
    “”تاجوج يا ابنتي الموفّق طلب يدك منّي.. والرأي عندك أنت.. ماذا تقولين..
    :: أمري عندك يا والدي.. وليس لي رأي فوق رأيك..
    أفهم من ذلك أنّك موافقة..
    فأسبلت تاجوج عينيها الجميلتين وسكتت..
    وعاد الأستاذحاملاً البشرى. وأيّ بشرى. وماأحلاها من بشرى..
    ""مبروك يا عريس.. مبروك لك ولتاجوج.. الله يوفّقكم.. يا ولدي تاجوج أغلى ما عندي في هذه الدنيا.. ولولا معزّتك عندي، ومعرفتي بأنّك شاب خلوق وتخاف الله ما وافقت على زواجها منك أسأل الله أن يجعل حياتكما كلّها رضىً وسعادة..
    + بارك الله فيك يا عمي وأستاذي.. والله إنّه لشرف كبير لي.. وأكاد أن أطير فرحاً.. ولولا الملامة لخرجت إلى الملأ الآن لأقول ما لم يقله المحلّق في تاجوج.. ولكن لتكن هديتي الأولى لها هذا المصحف الذي جئت أحمله لأقسم بأنني بريئ من فعلة ذاك الملعون.. وأعطى المصحف لأبوبكر الصغير طالباً منه أن يسلّمه لتاجوج.. وأخرج بطاقة من جيبه وكتب عليها، (لم أجد هديةً أغلى ولا أنسب من كتاب الله أهديه لدرّتي الغالية في هذا اليوم السعيد.. فكل كنوز الدنيا لا تسوى ذرّة من فرحي الكبير بك.. فليكن العهد بيننا كتاب الله بنوره نهتدي.)
    وقام الأعمام حسن ويوسف ضباط الصف ليهنئوا إبنهم وضابطهم المحبوب ويتمنون له التوفيق والسعادة. وباركا للأستاذ والد العروسة.. ثمّ جاءت أمّ العروسة لتسلّم على الضيوف. وسلّم عليها العم حسن قائلا مرحبا بعروستنا الجميلة.. فانفجر الجميع ضحكاً.. ثمّ جاء الجمال مجسمّأً فبهت العم حسن وكبر )الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ما شاء الله تبارك الله، ياجماعة صلّوا على النبي المختار..( صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وسلّم...
    وهكذا جاء الموفّق وهو مضطرب ومنزعج ليثبت براءته من الإتهام الذي حاول الجنّيّ أن يلصقه به.. وقد تحوّل اضطرابه وانزعاجه طمأنينة وفرح، وأصبح المصحف الذي حمله معه ليقسم عليه ببراءته، أصبح أعظم هدية ليقدمه (فتحة خشم) لخطيبته.. ومن هي الخطيبة؟؟ إنها تاجوج العصر بكل تفوّقها على الأصل، جمالاً ورقّة ورقّياً.. جاء الموفّق يحمل هموم الدنيا على رأسه. وخرج تفيض جوانحه فرحاً وسرورا..
    وعند الباب ودعهم الأستاذ وحرمه المصون وتوارت العروسة خجلاً.. وقبل أن يخرجوا سمعوا قهقةً كالزلزال مجلجلة من اتجاه الشارع، جاءت على إثرها العروسة مسرعة لتنذرهم وقد عرفت الصوت اللعين. جاءت تصيح:ـ
    // خذ حذرك يا موفّق فلن يتركك الملعون وقدعلم بأنّك تقدمت لخطبتي..
    :: لا عليك يا تاجوج، ولا تحملي همّاً.. سنكون بحول الله وقوّته أقوي منه، ربما يريد أن يسبب لنا بعض المتاعب في البداية.لكن تأكدي تماماً أنّ النصر في النهاية سيكون لنا ما دمنا متمسّكين بحبل الله..


    [/color]





    عدل سابقا من قبل خالد البدوي بابكر في الأربعاء أكتوبر 10, 2012 12:04 pm عدل 1 مرات

    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    رد: تاجوج عصرها (قصة من الخيال)

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في الأربعاء أكتوبر 10, 2012 12:02 pm


    6
    وخرجوا من المنزل ليجدوا سيارة الموفّق وإطاراتها قد خلت من الهواء. ولحسن الحظ كان الأستاذ يمتلك منفاخاً كهربياً صغيراً (كومبرسول) وتمّ إعادة نفخ الإطارات.. وبعدها تحرّك الموفّق بصحبة أعمامه (الصولات) متوجهين مباشرة للسوريبة حيث منزل الشيخ عبد المؤمن.. وعند ذات المنعطف طلب الموفق من عمه حسن الصول أن يخفّض من سرعة السيارة ففعل.. وعند وصولهم المنعطف تدحرجت صخرة كبيرة أمام السيّارة إستطاع العم حسن تفاديها بصعوبة شديدة.. وسمع المحلّق صوت الجنيّ يقهقة بصوت عال لم يسمعه الأعمام.. وكان الموفّق مستعدّاً تماماً ولم يتفاجأ، وبسرعة فائقة أطلق مجموعة من مدفعه الرشاش تجاه الصوت، فدوّت صرخة عالية صكّت آذان الجميع وقد سمعها عمّاه بوضوح كامل.. ونزلوا واتجهوا نحو مكان الصرخة وفتشوا المكان بدقّة، لكنهم لم يجدوا سوى بقعة دم صغيرة.. وعادوا لسيارتهم واتّجهوا نحو منزل الشيخ عبد المؤمن.. وكانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلاً.. طرقوا الباب ففتح لهم الشيخ وهو يقول:ـ
    ؛؛ خير إن شاء الله يا جنابو موفّق، قد سمعت صوت طلق ناري مدوّي وغريب، كماسمعت صرخة عالية.. ماذا حدث؟؟
    وحكي له الموفّق كلّ ماحدث من محاولة الجنيّ لخداع تاجوج وخطوبته لتاجوج وتنفريغ إطارات السيارة، وحتى إطلاقه النار في اتجاه الجنّي وسماعهم للصرخة المدوّية... فقال الشيخ:ـ
    :: أغلب ظني أنّ الملعون قد صرع.. وبذا تكون مشكلة تاجوج معه قد انتهت فقد كان الملعون يحبّها ويحاول التقلقل في جسدها وقد منعه منها تحصّنها بالقرآن وقوّة إيمانها.. وقد نفعها تحسّب والديها وخوفهم عليها من العين فأحسنا تربيتها وعلّماها الحرص على التلاوة والذكر.. لذلك فهي رقم جمالها الساحر ورقّتها تمتلك من قوةً الإيمان وسلاح العزم، ما لا يمتلكه الكثير من شيوخ هذا الزمان. والسبب هو براءتها ونقاء سريرتها. فهنيئاً لك بها..
    ولكن يا حبيبنا .لا تظنّ الأمر قد انتهي فأمامك معركة طويلة ليست في مواجهة جني واحد، ولكن قبيله كلّه سيحاول الإنتقام منك.. فهل أنت جاهز للمعركة.. سيكون وطيسها حامياً هذه المرّة، وربما مسّت آخرين من أفراد أسرتك..
    + أنا جاهز تماماً ياشيخنا وبإذن الله، وبتوجيهك لي، ومن أجل عيون تاجوج، سوف أنتصر عليهم إن شاء الله.
    :: لن يكون الأمر سهلاً ولن يكون صعباً إن كان عزمك قوياً مثل خطيبتك..
    فأولاً:ـ عليك أن تكون دائماً على وضوء طالما كنت مستيقظاً..
    ثانيأً:ـ أن تذكر الله دوماً في سرّك وجهرك وقيامك وقعودك واتكائك.. وتكثر من قراءة أية الكرسي والإخلاص والمعوذتين.. وحسبي الله ونعم الوكيل.. وفي الصباح والمساء عليك بالأذكار المذكورة في السنة.. وهذا هو كتاب فيه الأذكار كلّها هديّة لك مني..
    ثالثاً:ـ عليك أن تتجنب حالات الغضب والإنفعال، سواءً في المكتب أو في البيت.. فالغضب هو مدخل الشيطان لجسد الإنسان..
    رابعاً:ـ قد يستغل هؤلاء الملاعين غيبتك من الدار فيسببوا لك بعض الخسائر في الممتلكات وهذه مشكلة لها علاج يحتاج شيخي الكبير أبراهيم (أبو فاطمة) ولحسن حظّك فهو موجود معي وفي داري منذ صباح اليوم.. تفضلوا بالدخول واجلسوا في الصالون وسأذهب أنا إليه وأحدّثه في الأمر..
    وجاءهم بعد ربع الساعة ومعه الشيخ أبوفاطمة.. وسلموا على الشيخ الوقور وجلسوا يستمعون إليه:ـ
    = خيراً مافعلته ياولدي بقتلك لهذا الملعون، فقد سمعت صرخة الموت وعرفتها تماماً قبل أن يحكي لي الشيخ عبد المؤمن جزاه الله خيراً فقد أصاب في توجيهه لكم.. وأنت أيها الضابط الهمام فقد قدّمت لخطيبتك تاجوج الجميلة مهراً أسطوريأ لم نسمع بمثله إلا في الأساطير القديمة.. متّعك الله بصحتك وزادك بسطة. وبارك لك في تاجوجك..
    + شكراً لك يا شيخنا على هذه الدعوات الصالحات.. نحن الآن (في حواك) بعد الله يا شيخنا. ونطلب منك مزيداً من التوجيهات كي نستعين بها في مواجهة قبيل الجني.. وكما توقع شيخنا عبد المؤمن ربما يحاولون الإنتقام مني..
    = لا لا ياولدي لا تخف ولا تحزن فعالم الجنّ مثل عالمنا، فبهم الملاعين المجرمين وفيهم الطيبين الورعين.. وسنستعين بإذن الله على أولئك بهؤلاء.. وطالما أنّك كنت تدافع عن شرفك وعرضك، ولم تخطئ في حق الجنيّ القتيل فلن يصيبك أذى جسيم.. وقد يصيبك منهم بعض المتاعب. ولكنهم لا يستطيعون تسبيب الأذى الجسيم إلا بإذن من شيخ قبيلهم.. ولحسن حظك فهم مسلمون.. وهم الآن يبحثون في الأمر، ولن يقرروا أو يبتوا في أمر الإنتقام منك قبل غد أو بعد غد.. فنم مطمئنا اليوم.. أما أنا فمن أجل موضوعك هذا فسوف أؤجل سفري لوادمدني غداً حتى أطمئن عليك وعلى عروستك التي أكبرت فيها عزمها وشجاعتها..
    قام الموفّق من مجلسه وقبّل رأس الشيخ أبو فاطمة وشكره.. وحاو أن يدسّ في يده كل مابجيبه من نقود، لكن الشيخ ضحك وقال له:ـ
    =لوكنا تريد عرض الدنيا يا ولدي، ما غلبنا ذلك.. وردّ له ماله..
    وقبل أن يخرجوا طلب الموفق من الشيخ عبد المؤمن أن يسمح له بمحادثة من هاتفه ليبشر أستاذه وخطيبته بمصرع الشرّير..
    وأدار قرص الهاتف، وما أن رنّ جرس الهاتف في الطرف الآخر رد عليه الأستاذ أحمد:ـ
    "" هالووو معك أحمد..
    + السلام عليكم أستاذي، تجدني آسفاً لإزعاجكم في هذا الوقت المتأخر..
    "" لا يا إبني ليس هناك إزعاج فأنا كنت قلقاً ولا أجد طريقاً للإطمئنان عليك وتاجوج أيضاً قلقة وهي جالسة بجانبي الآن وتشعر أنّها سببت لك متاعباً كنت في غنىً عنها.. فوالله أنّك إبن حلال ولولا اتصالك هذا لسهرنا قلقاً حتى الصباح..
    + أنا الآن في منزل الشيخ يا أستاذي. وقد اتّصلت عليكم لأبشّركم بخبر سار. فقد اعترض الجنّي طريقنا في نفس المنحنى ودحرج صخرة كبيرة أمام سيّارتنا تفاداها العم حسن بصعوبة.. وأطلق الملعون تفس الضحكة التي سمعناها أمام داركم، ولكن بصوت عال ومرعب. وقد كنت جاهزا له بمدفع رشّاش أطلقت منه مجموعة تجاه الصوت، وأظنني قد صرعته، فقد سمعنا صرخة عالية سمعها الشيخ عبد المؤمن وشيخ كبير يبيت معه في داره يقول أنّه شيخه.. وقد أكدّ لنا الشيخان أنّها صرخة الموت فقد صرع الجنّي الملعون...
    "" موفّق هل أنت متأكد مما تقول؟؟ أرجو أن تحضر لنا حال مغادرتك منزل الشيخ، التلفون لن يروي غليلنا.. تعال أنت وأعمامك الإثنين والسلات جاهز للعشاء.. هذا أمر، هل سمعتني ياولدي.. ؟؟؟

    أمرك مطاع ياااااا أبو النسب..
    "" هالوووو إسمع يا موفّق هات معك أعمامك والشيوخ الإثنين.. اليوم الخميس وغداً عطلة، وسوف يكون السلات جاهزاً بعد ساعة واحدة من الآن ومحمد وأبوبكر قد أعدا النار والحصا للشواء وتاجوج وأمّها تعدان اللحم,, قل لهم أبو تاجوج أقسم أن تحضروا كلّكم.. سامع ؟؟
    + حاضر يا أستاذي، سوف نأتيك جميعاً بإذن الله..
    ما كان من بد للجميع إلاّأن يستجيبوا للدعوة.. وغادر الجميع متجهين نحو دار الأستاذ.. ركبوا سيارة الموفّق يقودها الموفّق بنفسه. ويركب بجانبه الشيخ إبراهيم (أبوفاطمة) وخلفهم الشيخ عبد المؤمن مع الأعمام ضباط الصف.. وعندما وصلوا عند المنحنى حيث دارت الأحداث، طلب الشيخ أبوفاطمة من الموفّق أن يتوقف قليلاً، ففعل.. وترجّل الجميع قاصدين مكان بقعة الدم، لكنهم لم يجدوا شيئاً.. وكان مكانها نظيفا، لكن لاحظوا آثار جرف واضح.. فقال الشيخ إبراهيم:ـ
    = قد أزالوا آثار المعركة.. فسأله الموفّق:ـ
    + وما معنى ذلك ياشيخنا؟؟
    = ذلك يعني أنّ الدم هو فعلاً دم غريمك وقد هلك بحمد الله..
    وركبوا السيّارة وواصلوا المسير والكل صامت يحدّث نفسه حتى وصلوا منزل الأستاذ أحمد.. واستقبلهم الأستاذ أحمد، ورحب بهم ترحيباً حارّاً وقد كان مكان الجلوس معداً في ساحة المنزل ودخان ورائحة الشواء قد تصاعدا ليعطرا أجواء الحي.. والولدان محمد وأبوبكر يباشران تقليب اللحم على الحصا.. وقد جلس جدبهما أوشيك وسر الختم يتآنسان في انتظار الشيوخ الضيوف.. وجلست النساء خلف الشواء.. الجدتين الحبيبتين والعمة زهراء الموجودة بكسلا في عطلة مدارس أبنائها وقد سارعت بالمجيئ حين سمعت مايحدث لابنة أخيها تاجوج..
    وقام الجميع رجالاً ونساءً ورحّبوا بالضيوف ثمّ عادوا لمجالسهم..
    وما أن جلسوا، جاء أبوبكر ووقف منحياً بجانب الموفّق وقال له بصوت خفيض :ـ
    # حبوبة قالت ليك تعال شان نشوفك ونتحمدل لك السلامة..
    فسمع جده أوشيك كلامه وكان يجلس قريباً من الموفّق، فقال له:ـ
    جدتك الشايقية أم البني عامرية يا بكري؟؟ فقال بكري:ـ
    # الشايقية طبعاً يا جدي، وهي البني عامرية تقدر تقول جاجة..
    وانفجر الجمع ضحكاً وقام الموفّق ملبّياً دعوة حماته (نسيبته) الكبرى وأبوبكر يمسك بيده.. وما أن وصل البطل الأسطوري إليهنّ، قمن جميعا للترحيب به من جديد.. وكانت تاجوج معهنّ ومثلهنّ ترتدي الثوب السوداني الشرقي (الفوطة) ولأول مرة (ورغم خفوت الضوء)ينتيه الموفّق لتقاطيع الجسد وقد أبرزت الفوطة أشياءً لم يصفها الخنتيلة ولا مجنون ليلى ولا كثيّر عزّة ولا جميل بثينة. ولا تعبر عنها (رهيب والله رهيب) فوجد نفسه يردّد.. (لا إله إلا الله، ماشاء الله، تبارك الله) ورغم أنّه قد رأى تاجوج بالزي المدرسي يوم جاء بها الشرطي محمولة، إلا أنّه في ذلك اليوم لم يدقّق النظر. كان أداء الواجب عنده أكبر..
    جرته الجدّة الشايقية من يده قائلة:ـ أنا من ناديتك يا ولدي وليست تاجوج.. أريد أن أرى خطيب ابنتي تاجوج.. تعال واجلس بجانبي. كلّها شهور وتصبح تاجوج زوجتك لااااااااتستعجل ربنا يهنّيكم إن شاء الله..
    وبسرعة ناولته تاجوج كرسيّاً من الداخل، وقد كنّ يجلسنّ علي العناقريب والبنابر.. لكنه جلس على العنقريب جوار الجدة الشايقية وكانت تتحسس الدبابير وشعر الرأس وهي تقول:ـ
    // (ماشاء الله, تبارك الله، تستاهلها وتساهلك) إنت أهلك من وين يا ولدي؟؟
    :: تقصدي جنسك شنو ياحبوبة.. أنا خلطة أبوي جعلي، وأمي من الحلنقة، زي تاجوج يعني..
    وصاح الجد أوشيك:ـ
    * يا وليّة ماتخلّي الولد يجي يحكيلنا القصّة نحن منتظرين من ساعة.. يعرفوك شايقيّة كيف؟؟
    // روّح يابا لي أعمامك العربي ده لا يشيل حسّي.. لكن تعالوا أنا عازماكن فطور إنت وتاجوج يوم الجمعة.. قراصة ومعاها حاجات تاني يبقى ماقعد تاكل القراصة..
    + لا ياحاجة لازم تكون القراصة أربعة بوصة وبالتركين كمان. ومايكون معاها أيّ حاجة تاني غير البصل والشطة..
    ضحكت تاجوج وهي تقول:ـ يخسييييي التركين ده لاعند الجعليين ولا عندنا نحن عرفته من وين..
    + من عمّك حسن الصول القاعد داك كلّ يوم جمعة فاطرين معاه تركين.. فقالت الجدّة:ـ
    // أها يابتي شيلي شيلتك.عاد......... وفي هذه اللحظة جاء الجد أوشيك وجرّ الموفّق من يده وهو يقول..
    * والله إنت راح تتعب مع الشايقيّة دي.. ماتديها فرصة، خليك زي أحمد ولدي..
    فردّت عليه الجدّة..
    // رضينا بالهم والهم أبانا.. هي سب..
    وجد الموفّق النقاش يدور بين الأستاذ أحمد والشيخ إبراهيم حول الجنّ وطبائعه وطبيعته وكان في النقاش الكثير المثير والجديد على الجالسين..
    فجلس الموفق يستمع فخطر بباله سؤال توجه به للشيخ إبراهيم:ـ
    + ياشيخنا لوسمحت لي باستفسار بسيط..
    = تفضل يا ولدي..
    + إذا كان الجن غير مرئي بالنسبة لنا بالتالي يقترض أن يكون غير محسوس. ولكن كثيراً ماسمعت أنّهم يأكلون ويشربون واليوم قد وجدنا
    بقعة دم بعد مقتل الجنّي فكلّ هذه أمور متناقضة.. فهلّا فسرت لنا ذلك ياشيخنا..
    = ومن قال لك ياولدي أن الجن غير محسوس.. تعلم أنّهم مخلوقات من نار والنار مادة محسوسة وكل المواد الموجودة في الدنيا إذا وصلت لدرجة حرارة معيّنة، أو حدث لها إحتكاك لدرجة معيّنة، أوتحركت بسرعة معينّة، (هذه تشمل الإحتكاك بالهواء لدرجة معينة،) في كلّ هذه الحالات تتحول المادة (أيّ مادة) إلى نار.. وكلّ هذه الحالات إذا زادت عن حد معيّن في السعة فتتحوّل إلى نور.. فنحن مثلا، وبقية الحيوان لانحتاج لسرعة كبيرة في حركتنا. لذلك كان خلقنا وأجسادنا من مواد عضويّة.. والجن لأن سرعة حركته أكبر خلق من النار.. والملائكة من نور لأن حركتهم تتفوّق على كل المخلوقات وتصل إلى سرعة الضوء.. لذلك يا ولدي عندما يتحوّل الجنّ إلى إنسان أوحيوان يكون قد فقد ميزة الحركة السريعة. ولذلك أصابه طلقك الناري ولم يستطع تفاديه.. وهنا قال الأستاذ أحمد:ـ
    "" يعنني بالإنجليزي كدة تحوّل الجنّي من (Mr. Hide to Dr. Jekyll)
    = الله يفتح عليك يا أستاذ ريّحتني..
    وجاء السلات أشهى ممايكون ومحمّد وأبوبكر يوزعانه قليلا قليلا، فكلّما نضج جزء من اللحم يتمّ توزيعه على الكلّ رجالاً ونساء. ودون أن يحسّ الجميع أكلوا كميّة كبيرة من اللحم ولم يبق من خروف الكرامة إلا القليل.. وكانت الجدّة الشايقية قد أتت بشراب صنعته من التمر يناسب الشيوخ (شربوت) شربوه لزوم المساعدة في الهضم.. وكان لذيذاً بطعم الكوكاكولا.. وبعدها خرج الجميع يودّعهم أهل البيت حتى الشارع.. والتفت الجد أوشيك للجدة الشايقيّة التي اعتاد على ممازحتها دوماً، وخاطبها مازحاً:ـ
    * بعدين خلّي باقي الشربوت لغاية يوم الجمعة الجاية وأعطيه للعريس بعد ما ياكل التركين.. عشان ينوم عندك أسبوع كامل..
    // تلقاك إنت يا عربي إتذكرت أيّام زمان ومشتهي الخرابة داك..



    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    رد: تاجوج عصرها (قصة من الخيال)

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في الخميس أكتوبر 11, 2012 12:00 pm







    7
    مرّ يوم ويومين بسلام واطمئنان شديدين، وكانت حلقة الوصل شبه مستديمة بين الموفّق والشيوخ وتاجوج ووالدها.. وزارهم الشيخ إبراهيم وتلميذه الشيخ عبد المؤمن في بيوتهم مرّات عدّة بغرض تحصين البيوت وتعليمهم كيف يتحصنون، تحسّباً لعاصفة متوقعة إذا قرر قبيل الجنّ الإنتقام منهم.. فقد أثبت الشيخ إبراهيم وتلميذه الشيخ عبد المؤمن أنّهم رجال دين حقيقيين. لم يدّعوا يوماً أنّهم يتعاملون مع الجنّ أو يخاطبونهم.. ولم يكتبوا لأحد تميمة (حجاب) ويدّعون توفير الحماية لمريديهم. بل كانوا يعلّمون النّاس كيف يحمون أنفسهم من السحر وشروره، وكيف يتقون شرّ شياطين الإنس والجنّ..
    إقترح عليهم الجد أوشيك يوماً أن يأخذهم لشيخ يعرفه يتعامل مع الجن ويخيفهم.. فما كان من الشيخ إبراهيم إلا أن ردّ عليه قائلا:ـ
    = ياشيخ أوشيك هؤلاء الذين ذكرتهم همو شياطين الإنس وهم أكثر لعنة من شياطين الجن.. وهم يتعاملون مع الجن لينفّذ لهم أعمال السحر الشرّيرة ولا يفعلون شيئاً خيراً أبداً.. والذهاب إليهم يغضب الخالق.أشدّ الغضب ومن يذهب إليهم لايقبل عمله لأربعين يوماً، مثل شارب الخمر بل إثمه أكبر لأن في هذا العمل شركا بالله.. ولعلمك يا عمّنا أوشيك.. هناك عداوة بين شياطين الجنّ وبني آدم إلى يوم الدين.. وهذا كلّه مذكور في كتاب الله (فأزلّهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه، وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ، ولكم في الأرض مستقرّ ومتاع إلى حين).. صدق الله العظيم..
    يا عمّنا إيّاك أن تستعين بغير الله فيسقط عملك فتكون من المشركين.
    // شكراً لك ياشيخنا والله نحن نعرف ذلك جيّداً لكن كمايقولون.. الضهبان يفتّش خشم البقرة..
    = لابأس عليك ياعمّنا.. علينا جميعاً أن نذكّر بعضنا البعض والذكرى تنفع المؤمنين.. فعليك ياعمّنا كما علينا جميعاً أن نقرأ سورة البقرة يوميّاً.. فمن قرأها لا يدخل الشيطان داره في يومه هذا أبداً أبداً ..
    // ياشيخنا لكن سورة البقرة طويلة ولا أستطيع قراءتها كلّ يوم..
    إذن فعليك بآية الكرسي تقرأها ثلاث مرات عقب صلاتي الصبح والمغرب ومرّة بعد كلّ صلاة.. كما عليك بقراءة الإخلاص والمعوذتين سبع مرّات صباحاً ومساء وتقول بعدهما (لي ولديني ولمالي ولأهلي ولولدي) ولا تنسى حسبي الله ونعم الوكيل..
    // جزاك الله عنّا كلّ خير ياشيخنا وبارك الله فيك وفي مالك وولدك.. ولكن يا شيخنا، أراك لا تتقاضى أجراً على عمل الخير الذي تعمله، وتتعب نفسك وتؤخر سفرك من أجل خدمة الناس وإرشادهم.. أعرف أنّ أجرك سوف يكون بمشيئة الله كبيراً عنده.. ولكن لكلّ شيئ سبب فكيف تصرف على نفسك وأهلك وأبنائك..
    = ياشيخ أوشيك لعلمك أنا عندي أربع زوجات و تسعة عشر من البنين والبنات وكلّهم مازالوا يعتمدون بعد الله عليّ، وأنا أتاجر في البلح والمحاصيل التجارية بين الشمال والشرق والغرب. والله تعالى يبارك لي في رزقي ويرزقني بغير حساب.. نحن نعمل الأسباب والله ييسر لنا بفضله، فالرزق من الله ومكتوب، لكنّ الإنسان مخيّراً في أن يجعل هذا الرزق حلالاً أو حراماً.. وهذا معناه أنّ من يعتدي على مال الناس ويسرقهم قد حوّل فقط الرزق الذي كان آتيه من الحلال إلى رزق حرام..
    ومرّ الأسبوع بسلام. وجاء اليوم الموعود (يوم الملوحة وهي عبارة عن وجبة من السمك المملّح) عند الجدّة الشايقيّة.. صحا الموفّق من نومه مبكراً، وبعد صلاة الصبح مباشرةً توجه إلى قسم الشرطة للتمام. وكان العم حسن يبيت نبطشاً بالقسم.. وبعد التمام وهو يتهيأ للرجوع لداره، قال له العم حسن:ـ
    -- لاتنسى أن تحضر للفطور يا (جنابو) فاليوم عندنا ملوحة وردت من دنقلا رأساً..
    + وهل نسيت ياعم حسن موعدي مع الجدة الشايقيّة اليوم؟؟
    ــ لا والله مانسيت ولكن خفت أن تكون دوامة العمل قد أنستك أنت فقصدت أن أذكّرك.. بختك يا عم، ومن مثلك أنت اليوم!!
    + شكراً لاهتمامك يا عمّنا.. بارك الله فيك..
    وتحرّك الموفّق نحو داره وخلع الملابس الرسميّة ودخل الحمّام مرّة أخرى بعد أن حلق لحيته. وبعد الحمام لبس اللبسة الشرقيّة (السروال الطويل والعراقي ذا الياقة) وتطيّب.. وكانت الساعة قد بلغت التاسعة لمّا أدار قرص التيلفون طالباً النمرة التي بالطبع حفظها عن ظهر قلب، ليستأذن أستاذه للحضور لمنزله وأخذ تاجوج لمنزل جدها للإفطار حسب موعدهم مع الجدّة.. وجاءه الرد:ـ
    "" لا مانع يا ولدي تعال وخذها.. أنت أصبحت واحداً منّا فتعال وخذها وخذ أمّها معها إن شئت..
    ركب الموفّق سيارته متجهاً نحو منزل تاجوج العصر مزهوّاً وكأنه قد ملك الدنيا كلّ الدنيا.. وكيف لا يزهو وهو ذاهب ليأخذ في سيّارته حبيبة قلبه رائعة الجمال، بهيّة الطلعة، معتدلة القوام ممشوقة القد.. حبيبة اليوم، حليلة الغد.. ووصل إلى دار الهناء والسعد.. ووجد الأسناذ خارج الدار يمسك بخرطوم الماء، يسقي شتلات النخيل التي زرعها له جد تاجوج لأمها (الخليفة سرّ الختم) لزوم جلب البركة..
    وبعد أن سّلّم الموفّق على أستاذه سأله:ـ
    + الجماعة جاهزين يا أستاذي للذهاب معي لإفطار الجدّة؟؟
    "" أيّ جماعة تقصد؟؟ تاجوج وأبوبكر مع جدتهم منذ الأمس. وأمّهم أوصلتها بسيارتي قبل طلوع الشمس.. وبقينا أنا ومحمّد وسوف نذهب بسيارتي ونلحق بكم بعد قليل. كان عليك أن تتصل قبل حضورك وتوفّر المشوار..
    + أستاذي هل أنت جادّ فيماتقول؟؟؟ أنا قد اتصلت بك فعلا، وقلت لي بالحرف الواحد.. لا مانع يا ولدي تعال وخذها.. أنت أصبحت واحداً منّا فتعال وخذها وخذ أمّها معها إن شئت..
    وضحك الأستاذ مقهقهاً، وقال له:ـ
    "" يالك من تلميذ مهمل، يبدو أنّك لم تستوعب الدرس..
    + ماذا تقصد يا أستاذي؟؟ أنا ما زلت لم أفهم شيئاً. فبالله عليك إشرح لي..
    "" ياسعادة المقدّم شرطة، عند ما اتصّلت عليّ، هل سمعت جرس الهاتف يرنّ عندي؟؟ وهل قلت بسم الله الرحمن الرحيم عندما أمسكت بالسماعة؟؟ بالتأكيد لم تفعل ذلك، فقد إستغلّ أحد الملاعين إنشغالك وشغفك للقاء وتولى الردّ عليك بدلاً عنّي.. فأنا لم أمسك بسماعة الهاتف منذ يومين.. ومن الآن عليك بأخذ الحذر يا ولدي فهذه بداية العاصفة.. وبداية القيس قطرة...
    + يااااااه لم يخطر هذا بذهني أبداً..
    "" قلبك مشغول ياولدي، ومعك حق..
    وتحرّك الموفّق وهو مهموم نحو بيت الجدّة بعد أن طلب من أستاذه ألّا يخبر أحداً من أهل البيت إلّا بعد الإنتهاء من وليمة الجدّة، حتى لا ينشغلوا بماحدث له فتضيع نكهة الوليمة.. غادر الموفّق لمنزل الجد سر الختم بصحبة محمّد ليدلّه علي طريق البيتين الكبيرين المتجاورين.
    ولمّا وصل وجد الجميع في انتظاره، وقد تعدّلت وليمة الملوحة لذبيحة.. أبى الخليفة سر الختم إلا أن يكرم حفيدته الجميلة المحبوبة تاجوج عصرها، وينحر كبشاً أقرن، إكراماً لخطيبها.. يقول الخليفة سر الختم:ـ
    : أنّ الكبش جدع ويقول الأعرابي أوشيك:ـ
    // أنّه تني ومن عرّف الشايقية بالبهائم.. بارك الله في السيّدالحسن الذي أتى بكم وأعطاكم أراضينا وجعلكم خلفاء وريّسكم علينا كمان..
    : وهو السيّد الحسن لو يعرف أنّ بكم فائدة ماكان أعطانا السواقي وترككم تحلبون لنا البقر..
    // وانت الصادق ياخليفة لوكان مننا فائدة ماتركناكم تسرحون وتمرحون في أرضنا.والله. نحن رايحين نرفع دعوة للريس نميري يأتي ليرى هذه المهازل.. ويرجّع لنا حقوقنا..
    : وهو نميري مغفّل علشان يديكم الأرض.. الريّس نميري قال (الأرض لمن يفلحها) وليست لرعاة الإبل والماعز.. فقال الموفّق:ـ
    + يا شيخ أوشيك الناس دول صعبين مابنقدر عليهم .. وأحسن حاجة إننا أخدنا من بناتهم .. بعدين أولادنا يمكن يبقوا شطّار ياخدولنا حقّنا منهم..
    :: إيييييه كمان شوف المصيبة الجاتنا جديدي.. إنت ياولدي ماتصبر لامن تقبض بعدين تفصح..
    + لالا خلاص زي مابتقولوا الخمسة فوق الإتنين.. التوبة لي حبوبة.. ياشيخ أوشيك شفت ما قلت لك الناس دول ما بنقدر عليهم؟؟
    كان كلّ هذا الكلام أمام الباب على آثار دم الخروف وعراقيبه التي ماتزال معلّقة بالحبل على عارضة الباب.. أما اللحم فقد استلمته الجدة الشايقية وبناتها قبل أن تشرق الشمس.. وما أن جلس الرجال في الصالون وحضر الأستاذ أجمد حتى جاءت الصينية المدنكلة يحملها الأستاذ أحمد والموفّق كلّ بجانب.. وماكان باستطاعة الصغيرين أن يحملاها..
    المرارة النيّة، شيّة بالجمر، وأخرى بالصاج، كباب طوّة، كباب حلّة، كبدة وقلوب وكلاوى، كمونيّة مسبّكة. وأحلى مافيها الفطير من قمح البلد.. ولمن أراد الخبز الرغيف.. الكمونية المسبّكة ذات المصارين المفتولة وبالفطير، شيئ خطير يجعل الأمعاء تنادي بصوت حنين أشبه بصوت الساقية وهي تدور (الفجراوي)
    تناول الجميع الوجبة الدسمة وامتلأت الأوعية شربوتاً يفوق قليلاً في لزعته وفورانه ذاك الذي أعدّ للشيوخ. لزوم هضم الدسم، لكنه لم يتعدّ الحلال..
    وجلس الجميع للإنس، بينما انطرح الشيخين الكبيرين على الأسرّة.. والشاي أتى تحمله وتصبّه تاجوج.. لم أذق في حياتي طعما ولانكهة مثل هذا الشاي.. (هذه أسرّها الموفّق) وشرب الشاي طباقاً.. وضحك الجدّ أوشيك وقال:ـ
    = تحوّل الفتى لسنجك قبل أن يقع في الشبك..
    ضحك الجميع وقال الأستاذ أحمد..
    × صدقت ياوالدي والله، فالفتى اليوم قد فقد تركيزه وحاسّته البوليسيّة. رفع السمّاعة ليستأذنني في الحضور لمنزلنا وأصطحاب تاجوج ليلبيا دعوة جدتهما لتناول الملوحة، وقبل أن يرنّ جرس تلفوني قطع أحد الملاعين الخط وأجابه بصوتي. وقال له تعال خذ تاجوج ومعها أمّها إن شئت.. وجاءني حضرته وهو لايعرف أنّ الملوحة قد تحوّلت لكبش جدع..
    = تني يا أستاذ. هو أنت أيضاً صرت مثل جنابو؟؟ لحست رأسك الشايقية؟؟؟
    :: عرفنا يا والدي أنّ هند أمّ تاجوج شايقيّة.. حتى تاجوج صنّفتها شايقيّة؟؟
    = وهي البنت حتطلع لمين يعني؟؟ دول ناس عرقهم حامي. والحمد لله أنّك سميتها تاجوج حتى يعطيها الإسم قليلاً منّا..
    وهنا تدخّل الخليفة سر الختم قائلاً:ـ
    :: يا جماعة الخير ، الأمر أكبر من أن يكون مزاحاً وهذا الرجل قد تصدى لهؤلاء الملاعين من أجل عيون تاجوجكم.. وهذا الذي حدث له اليوم قد يكون بداية لعاصفة قادمة.. فالحذر واجب يا ولدي، وعليك أن تتبع وصيّة الشيوخ.. والوقاية خير من العلاج.. عليك أن تتخذ أقصي الإحتياطات كما علموك في كليّة الشرطة.. فقراءة سورة البقرة لا تستغرق سوى ساعة واحدة. وكلما داومت على قراءتها كلّما أصبح لسانك بها سلساً، وصارت تلاوتك أسرع..
    = شوف ياموفّق ياولدي أنا وجدّك الخليفة سر الختم هذا جيران وأصحاب منذ أكثر من أربعين عاماً، وطيلة عمرنا لم نختلف يوماً واحداً، بالرغم من اختلاف عاداتنا وتقاليدنا في الزمن الماضي.. وقد زادت المصاهرة الودّ بيننا.. لكنني لم أره أبداً يتحدّث بمثل ما قاله لك من نصح.. فالأمر فعلاً خطير.. وسيصيبنا أشدّ الألم إن أصابك مكروه بسبب إبنتنا تاجوج.. وخاصة أنّ والديك لن يعودا من الحجاز إلا بعد الحج، (أعادهما الله لك ولنا سالمين غانمين) وأنا أعرف والدك تماماً كما أعرف إبني أحمد.. فهو رجل أرباب ولا يشقّ له غبار. وأنا متأكد بأنّه سوف يفرح بمصاهرتنا. ولكن يا ولدي، إن أصابك أي ضرر بسبب ابنتنا فلن تريحنا ضمائرنا أبداً.. وحرصك على نفسك هو حرص علينا جميعاً..
    + وهل تظنّ ياوالدي أنني قد أقدمت على خطبة تاجوج دون إخبار والديّ.. فقد اتصلت عليهما في اليوم الذي جاءتني فيه تاجوج محمولة في القسم. وأخبرتهما أنني أنوي التقدم لخطبتها وباركاها لي. فالوالد يعرف الأسرتين تماماً وكذلك الوالدة.. واتصلت عليهما مرّةً أخرى عند تقدمي للحطبة، وقد فرحا أيّما فرح بموافقتكم.. وقد أخبرت أستاذي أحمد بذلك قبل أن يسألني..
    : عدّاك العيب يا ولدي، وبارك الله لك في والديك وأطال عمريهما.. ووفقك يا موفّق في حياتك.. والله أنّ خوفنا عليك أكثر من خوفنا على ابنتنا تاجوج..
    + بارك الله فيكما يا والديّ، وحفظ لكم إبنتكم تاجوج.. فأنتما لا تعرفان قدر ابنتكم عندي. تا الله أنّي على استعداد أن أفديها بعمري..
    = لا لا ياولدي لا تقل ذلك، نحن نريد عمرك تقضيه معها، تسعدك وتسعدها..
    وفي هذه اللحظة دخلت عليهم تاجوج وهي تحمل القهوة.. فأمرها جدّها الخليفة سر الختم أن تجلس بجانبه وتصب لهم القهوة فجلست، وقبل أن تصبّ القهوة، قال لها:ـ
    : هل عرفت ما حدث للموفّق صباح اليوم؟؟
    // نعم ياجدي قد عرفت كلّ ما دار بينكم بالتفصيل..
    : وكيف عرفت ذلك؟؟، ما عهدتك تسترقين السمع يا تاجوج..
    // كلّا والله يا جدي أنا كما أنا لا أتلصص السمع أبداً.. ولكن ألم تنتبهوا لوجود أخي بكري.. فقد كان يرقد على ذاك الكرسي.. وأنت تعرف ياجدي مقدرته الفائقة على حفظ كلّ ما يسمعه.. فقد حكى لي وحدي كلّ مادار بينكم بالتفصيل. وبتقليد أصواتكم، وكلّ حركاتكم وسكناتكم.. ولولا أنّ الموضوع شدّني لنهيته عن ذلك..
    : لا يا ابنتي أنا نفسي كنت سأحكي لك، فالأمر يهمّك أكثر منّا، وأريد أن أسمع رأيك..
    // لم تقصّروا يا جدي في توجيه النصح للموفّق ولكني أرى أنّ الموفّق من طبعه الإستهانة بالأمور. وأرى أنّ ضابط الشرطة يحتاج لمن يحرسه وينبهه للخطر..
    :: بارك الله الله فيك يا بنيتي وحفظك بعقلك وحكمتك، هذا ما أردتك أن تقوليه. إذهبي أنت ودعيني أصبّ القهوة نيابة عنك..
    خرجت تاجوج، فنهض الموفّق ليصبّ القهوة وهو يقول:ـ
    + صغير القوم خادمهم.. قال الجد سرّ الختم:ـ
    : يا معشر بني عامر هل فقهتم ما قالته تاجوجكم؟؟؟
    + لا والله يا والد فكلامها فيه غموض حيّرني.. أحسست وكأنّها تستهزئ بي..
    :: معذور أنت يا ولدي.. وأنت ياجدّها.. أيها الأعرابيّ هل فهمت شيئاً؟؟
    = لا والله يا خليفة، بالله عليك وضّح لنا..
    :: وأنت يا أستاذ يا والدها هل فهمت ما قالته ابنتك؟؟
    × نعم يا عمي فهمت، فأنا من كثرة إلتصاقي بها وحبي الشديد لها أفهم ما تريده حتى ولو لم تقله.. تاجوج تريد أن تحرس ضابط الشرطة بنفسها..
    :: عفارم عليك يا ولدي، قد تسنجكت بتاجوج وأمّ تاجوج.. فوالله قد ذكّرتني تاجوج بأمّها.. فقد كانت مثلها نبيهة وحكيمة..

    تاجوج يا معشر البني عامر قالت أنّها تريد أن تعجّل بزواجها من الموفّق لتقف معه في وجه العاصفة.. وعندها قال الجد أوشيك:ـ
    = أضاع السنجك كلّ تعبنا في تعليمك ونسب عقلك وذكاءك لبناته..
    :: لا ياشيخ أوشيك التعليم شيئ والتحضّر شيئ آخر.. فكلما كانت الجزور الحضاريّة متعمّقة ومتوقّلة في القدم كلّما كان تفكير المرأة أفضل، وشخصيّتها أقوى ودورها في المجتمع أكبر.. وأنا لا أنكر أنّ لأهل الشرق تاريخهم القديم ، وممالكهم التي سادت. ولكن الطبيعة البدويّة والترحال وعدم الإستقرار جعلكم بعيدين عن المدنيّة. فالعرب البدو حتى في الجزيرة العربيّة يعتبرون المرأة مجرّد متاع، ويلغون شخصيتها.وتفكيرها. ولكن هنالك أقلّية من بنات شيوخ القبائل، كتاجوج الأصل مثلاً، كان لهنّ وضعاً خاصّاً..
    = حيّرني اليوم هذا الخليفة يقول كلاماً كالدرر لم أسمعه من قبل يقول مثله رغم معاشرتي الطويلة له، كلاماً كبيراً لايقوله حتى الذين نالوا شهادة الدكتوراه..
    :: وهذا ما أعنيه ياشيخ أوشيك.. (القلم مابيزيل بلم)
    = ياسبحان الله..
    وهنا دخل الصغير أبوبكر ووقف بجانب الموفّق وقال له بصوت خفيض:ـ
    (مطلوب حضورك فوراً في وزارة الداخليّة) وسمعه الجد أوشيك وكان الموفّق متردداً، فقال له:ـ
    = روح ربّنا يوفّقك، الله يعينك يا ولدي على هؤلاء القوم..
    + لاتخف عليّ ياجدّي فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا..
    وبعد أن دخل قال الشيخ:ـ
    = مكتوب لك يا ولدي أن تكون تحت أمر الشايقيّة ما حييت..
    وقاده الصغير أبوبكر لفرندة متصلة بغرفة واحدة تقع بين الصالون وبقيّة المنزل، حيث وجد تاجوج تجلس في الفرندة.. ولمّا دخل، قامت تاجوج وخيّته بأدب جمّ، وأجلسته في كرسي وثير (يبدو أنّها أعدّته له) وجلست على السرير المقابل. وبعد برهة صمت، بادرته قائلة:ـ
    > أرجو ألّا تكون قد فهمت ما قلته خطأ ؟؟ فقد لاحظت ذلك على وجهك، وحزّ ذلك في نفسي، لذلك استدعيتك لأعتذر لك.. فلست أنا بالتي توجّه حديثاً مخلّا بالأدب للرجال ولا حتى على سبيل المزاح..
    + تاجوج أنا فعلاً في البداية تضايقت، ولكن بعد أن فسّر لنا الجد مغزى حديثك أكبرت فيك شجاعتك ورجاحة عقلك.. أنا فخور بك يا تاجوج..
    > إذن فقد قام جدي سر الختم بالمهمّة نيابة عنّي... فهو بفهمني أكثر من نفسي. ولا شك أنّ والدي أيضاً قد عرف قصدي، وإلاّ لكان لحق بي...
    + نعم نعم... لكن الأعراب البدو لم يفهموا...
    > إذن فقد تناكف جديّ الحبيبين... لا عليك يا موفّق من هذا فهما على الدوام هكذا يتناكفان.. لكنني لم أر في حياتي صديقيين وفيّين أكثر منهما. ولا يستطيع أحدهما أن يغيب عنه الآخر يوماً واحداً..
    + على كل حال أنا أكثر عجلةً منك بكثير لإتمام مراسم زواجنا، وأتمنى أن يكون اليوم قبل غد. ولكن ليس لتكوني لي حارساً، بل لأكون أسعد زوج على وجه الأرض لأجمل وأنبل أميرة.. يا أميرة قلبي.. ولكن لا أريد أن يكون ذلك على حساب دراستك..
    > لا عليك يا موفّق فقد بقي لامتحان الشهادة ثلاثة أشهر. فقط وقد (بحمد الله) أكملنا المنهج. وأنا مستعدة أن أجلس للإمتحان غداً وأحرز النسبة التي تؤهلّني لدخول أي كليّة.. ولكنني أرى أنّ المرأة عزّها في بيتها ومع زوجها وأولادها.. ولا يعني ذلك أنني غير راغبة في مواصلة تعليمي، بل سوف أجاهد من أجل ذلك..
    + ولسوف تجدين منّي كلّ العون بإذنه تعالى.. وقد والله كبرت في نظري.. فليكن زواجنا الميمون بعد عودة والديّ من الحجّ مباشرةً..
    > حسناً يا موفّق سوف أقوم أنا بإقناع أهلي.. فوالدي لا يرفض لي طلباً أبداً خاصة وهو يعرف الظروف التي دعتني لطلب تعجيل إتمام زواجنا..
    + سوف يظلّ موقفك الكريم هذا يطوّق عنقي ما حييت.. وأرجو أن يمكّنني الله من ردّ أفضالك عليّ..
    > لا يا موفّق ليس بين الزوجين أفضال وأنا لا أطلب إلا ما يرضي الله. ورضاك عنّي يرضي الله.. وهل هناك ردّ للجميل يضاهي رضا الله عنّا.. كلّ ما أطلبه منك أن تكون راض عنّي.. وحتى لو أخطأت في حقّك فكن صريحاً معي، فالرجوع للحقّ فضيلة..
    آآآآآه، نسيت أن أقول لك، صديقتي هنادي معنا منذ الصباح، وهي من أعزّ صديقاتي في المدرسة، وهي الوحيدة التي تعرف قصتنا بكلّ نفاصيلها. سوف أستدعيها لتسلّم عليك. وقد طلبت منّي أن نخرج معها في رحلة صغيرة أعدتها لنا بمزرعة والدها في ود شريفي.. وستكون معنا ابنة عمّتي ريم وأخويّ محمّد وبكري.. فهل عندك وقت لنتحرّك بعد صلاة الجمعة مباشرةً..
    + يا سلام!! أنا وقتي كلّه رهن يديك.. فقط سوف أمرّ على القسم لدقائق بعد الصلاة، ثمّ أجيئكم فورا.. وهل وافق أستاذي على ذلك؟؟؟
    > طبعاً يا موفّق، وهل تظنني أفعل شيئاً دون إذنه؟؟... إجلس قليلاً حتى أستدعي هنادي وريم ليسلّمن عليك..
    وبعد أن سلّمن عليه رجع موفّق للصالون حيث وجد الأستاذ والجد سر الختم يقطّان في نوم عميق بعد الوجبة الدسمة بينما الجد أوشيك يغالبه النوم.. وخاطبه قائلاً حمداً لله على سلامتك يا ولدي.. فضحك الموفّق واستأذنه ليستعدّ للجمعة ويعود بعد الجمعة لاصطحاب الشباب في نزهة صغيرة لود شريفي.. وخرج الموفّق وترك الجد يقول:ـ
    = مصيرك يا ولدي أن تقضي عمرك في خدمة مستديمة تحت أمر بنات شايق.. أكيد صاحبة الفكرة هي صديقة تاجوج الشايقية هنادي، فوالدها يمتلك مزرعة كبيرة في ود شريفيّ..
    وخرج الموفّق على جناحي الفرح وبعد صلاة الجمعة توجّه نحو القسم حيث العم المساعد حسن مداوماً.. وحكى للعم حسن كلّ مادار في وليمة الإفطار، كما أخبره بأنّه سوف يخرج مع تاجوج والشباب لنزهة قصيرة لودشريفي.. فقال له العم حسن:ـ
    * والله لو كان الأمر بيدي لمنعتكم الذهاب لهذه النزهة..
    + ولماذا ياعم حسن؟؟؟
    * وهل نسيت يا ولدي أنّ هناك من يتربص بكم ويتحيّن مثل هذه الفرصة السانحة ليعكّر صفوكم؟ على كلّ حال أنا سوف أترك القسم للوكيل عثمان وأصطحب أربعة من الأفراد لحمايتكم وسوف نكون قريبين منكم، نراقبكم عن كثب.. أنا أعرف المزرعة تماماً
    + ولم كلّ هذا ياحضرة المساعد؟؟ أنا قادر على توفير الحماية لمن معي.. دعك منّا وواصل عملك..
    * ياسيادة المقدّم، صحيح أنّك رئيسي في العمل، وأمرك عندي مطاع.
    لكن هذه حالة خاصّة وأنا أضع نفسي مكان والدك، وعليك أن تطيع أمري بلا مناقشة.. فخبرتي في الحياة أكبر..
    + أنا آسف يا عمّنا إفعل ما تشاء ونحن أولادك وتحت أمرك..
    ووصل الموفّق لمنزل الجد سر الختم ليجد الشباب في انتظاره والجدّة أمّ هند قد أصرّت أن تذهب معهم.. وتحرّك الجمع، تاجوج ركبت في الكابينة الأمامية جوار خطيبها، والجدّة مع هنادي وريم في الكابينة الخلفية، بينما جلس الوالدان على الفرشات في الصندوق الخلفي..

    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    تاجوج عصرها (قصة من الخيال)

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في السبت أكتوبر 13, 2012 8:28 pm



    8
    ووصلوا للمزرعة الجُنينة (جنّةٌٌ مصغّرة).. هي في الحقّ جنة الإشراق.. جُنينة منظّمة ونظيقة من الحشائش والأشواك.. ومحاطة بأشجار النخيل (المشرق) تتدلى منها سبائط الرّطب وتبذأ من مدخلها بأشجار المانجو السامقة المثمرة أنواعاً وأشكالاً عدّة.. وتأتي بعدها أشجار القريب فروت والبرتقال والليمون ثمّ الجوّافة ثمّ فاصل لخدمات الجنينة. توجد في مؤخرته حظائر للأبقار والضأن.. وفي وسطها المترة ووابور الماء الذي يسقي كلّ الجنينة.. وفي الطرف الآخر إستراحة صغيرة أمامها حديقة صغيرة مليئة بالورود والزهور وأشجار الزينة وبها كراسي حديقة من السيخ المرن، لما جلس عليها الموفّق قبالة تاجوجه أحسّا وكأنهما يجلسان على مجلس وثير منجّد بالريش..
    أمّا الجدة فقد أصرّت الّا تغادر السيارة وقالت لهم (نحن الفسح كمّلناها زمااااان يا ولادي أخدوا راحتكم بالكامل).. أمّا هنادي وريم والولدان فقد تجولوا في كلّ أنحاء الجنينة مستمتعين بثمارها الحلوة، ويأتون من حين لحين لمدّ الخطيبين (الجالسين يرشفان من كئوس الغرام خمراً حلالاً، ويخططان للسعد والهناء والمستقبل الزاهر.). بما لذّ وطاب من الفاكهة ولاننسى الجدة القابعة في برج المراقبة.. كانت تاجوج تزورها من حين لحين لمدّها بالماء وقليل من البرتقال، وهي مصابة بداء السكّر وتاجوج تراقبها من نفسها وهي تراقب تاجوج خوفاً واحتراساً لاشكّاً ولاظنّا.. وحضر الشباب وجلسوا على الفرشات جوار السيّارة ومازالوا يحملون مالذّ وطاب ويأكلون..وإستأذنت تاجوج من خطيبها وكانت الشمس قد اصفرّت وأرسلت أشعتها العسجد على رؤؤس أشجار النخيل والمانحو العالية.. ورأى الموفّق تاجوج تسير مع هنادي وريم نحو حقل الموز أو بالأحرى غابة الموز، ربما لقضاء حاجة.. وبينما الموفق جالس لا يفكّر في شيئ غير تاجوجه التي صار لا يحتمل غيابها عنه ولو لدقائق.. وبينا هو كذلك أحسّ بصوت غريب من ناحية أشجار المانجو، وقبل أن يتحرك من مكانه داهمته عاصفة غريبة وأظلمت الدنيا حوله وامتلأت عيناه تراباً وكأنّما ألقى عليه شخص كميّة مهولة من التراب الناعم.. وفقد السيطرة على نفسه رغم المجاهدة..
    وصار في حالة يرثى لها. وأظلمت الدنيا حوله وامتلأت عيناه تراباً وكأنّما ألقى عليه شخص كميّة مهولة من التراب الناعم.. وفقد السيطرة على نفسه رغم المجاهدة.. وبعد قليل سمع الموفّق طلقاً نارياً عرف أنه من مسدّس أحد أفراد الشرطة الذين اصطحبهم العم حسن.. تحامل الموفّق على نفسه واتّجه نحو الصوت وما أن تقدم قليلاً إصطدم بسيارته، أمسك بالسيارة وتحسس الباب الأمامي ففتحه وركب. نادي على الجدة فلم تجبه، وتحسس الكابينة الخلفية فلم يجد أحداً. وتذكر أنّ هناك قارورة ماء مليئة تحت المقعد يستعملها لملء مبرّد الماكينة (اللديتر). تحسس الزجاجة فوجدها وبدأ في غسل عينيه وكانت العاصفة قد هدأت قلبلاً.. وبعد أن غسل عينيه تحسس نظارةً شمس كان يضعها في درج السيارة ولبسها ونزل متجهاً نحو حقل الموز. وما أن تحرك حتى صاح فيه أحد الجند (ثااااااااااااااابت) فرفع يديه وصاح (أنا المقدّم موّفق من هناك) فجاءه الرد (أنا عمّك حسن، إطمئن، الجميع بخير)..
    وتنفّس الموفّق الصعداء واستمرّ في المشي متجهاً نحو الصوت حتى اصطدم بالعم حسن فعانقه قائلاً:ـ
    * حمداً لله على سلامة الجميع يا ولدي..
    + الجدة أين هي لم أجدها في السيارة يا عم حسن؟؟؟
    * إطمئن ياولدي الجميع بخير وداخل الغرفة بالإستراحة وقد تركت معهم ثلاثة أفراد مسلّحين لحراستهم وجئنا نبحث عنك..
    وفجأة وبلا مقدّمات توقّفت العاصفة تماماً وكأنّ شيئ لم يكن.. وخرج الجميع يهنئون بعضهم بالسلامة.. كلّ هذا حدث خلال نصف ساعة من الزمن.. أمر غريب فعلاً.. الفصل خريف متقدّم حيث لا هبباي ولا عواصف.. وحتى رياح الهبباي لا تأتي بهذه الصورة.. والعم حسن يقول أنّه لم ير في حياته رياحاً بهذا العنف.. ويقسم أنّها رياح مفتعلة من الجن، وإلّا فماسبب توقفها المفجائي؟؟ وحتى الجدّة أكدّت ما قاله.. وبعد أن اطمأنّ الجميع على سلامتهم، بدأ الكلّ يحكي ماحدث له بدءاً بالعمّ حسن:ـ
    * أنا طبعاً كنت ومعي جنودي في حالة إستعداد كامل ومتأهبين لأي طارئ يحدث. ونرغبكم عن كثب. فقد كنت أتوقع شيئاً ما قد يحدث لكنني ماتوقعت عاصفة بهذا العنف. كنا ثلاثة متواجدين في ذلك الممر المظلم داخل حقل الموز وآخرين بين أشجار المانجو يراقبان الشباب.. ولمّا جاء الشباب وجلسوا، إنضمّ إلينا الإثنين.. كان الأفراد جميعاً يلبسون الخوز على رؤؤسهم مما ساعدهم على وقاية أعينهم من العاصفة.. وبمجرد أن رأينا البنات يتوجهنّ نحو حقل الموز، أحطنا بهنّ عن كثب بعد أن حدّدنا موقعهنّ تماماً.. وبمجرد شعورنا بالخطر القادم، كان ثلاثة من الجنود قد أمسكوا بالبنات، بينما توجهت أنا والجندي الرابع نحو الصبية وبعد أن أدخلناهم جميعاً في غرفة الإستراحة وتركنا معهم جنديين لحراستهم، خرج الجنديين الآخرين وحملوا الجدّة للغرفة.. بينما خرجت أنا للبحث عن سيادة المقدّم الذي وجدته بحمد الله قد أحسن التصرّف ولم أتعب في البحث عنه، حيث توقعت أن يتوجه لحقل الموز ليبحث عن البنات.. قالت تاجوج:ـ
    :: نحمد الله أنّ الجميع بخير.. ستر الله ولطف.. أما أنا فقبل هبوب العاصفة وحضور الإخوان لإنقاذنا فقد رأيت صقوراً تهبط علينا من عل.. شيئ مخيف ومرعب للغاية.. لكنني بحمد الله كنت ثابتة تماماً، فبدأت أقرأ آية الكرسي بصوت مرتفع فتلاشت الصقور.. وشعرت بكميّة مهولة من التراب الناعم تنزل على رأسي ولولا أنني كنت قد أدليت بخماري على وجهي لعميت عيناي.. والشيئ الغريب أنّ ريم وهنادي لم يهبط عليهما التراب بنفس القدر.. وبعدها شعرت بالأخ الهمام يمسك بيدي ويقودني نحو الغرفة.. ولكن لندع الحكي الآن ونذهب لأهلنا، لاشك أنّهم قلقين علينا الآن.. وقال الموفّق:ـ
    + الآن ومن حديث تاجوج هذا تأكّد لي تماماً أنّ هذه العاصفة موجهة لنا نحن فقط، وليس هناك أي عاصفة خارج المزرعة.. فدعونا نخرج لنتأكد..
    وركب الموفّق وتاجوج ورففيقتيها معه بينما أمر العم حسن ثلاثة من الجنود ليركبوا على صندوق البوكس، وأخذ الولدين معهم في السيارة الأخرى.. وفي الطريق أوقف الموفّق لوري الموز القادم من المدينة وسأله:ـ
    + يا أخي هل هناك أمطار أوعاصفة داخل المدينة أو في الطريق؟؟
    -- لاتوجد أمطار ياجنابو، لكن سؤالك عن العاصفة حيّرني.. ومتى كانت العواصف تأتي في عزّ الخريف؟؟
    وتوجه الجميع لمنزل الجد سر الختم حبث وجدوا الجميع في انتظارهم قلقين من تأخرهم، وقد وصلوا بعد آذان المغرب بنصف ساعة.. وكان الأستاذ أحمد يقف خارج الدار في انتظارهم، وزاد قلقه لما رأى سيّارة الشرطة بجنودها تتبعهم.. ما أن نزل الجمع وجّه الأستاذ صوت اللوم للموفّق..
    "" لم كلّ هذا التأخير يا موفّق؟؟ قد أصابني قلق جعلني أندم على موافقتي على ذهابكم لودشريفيّ..
    لم يجب الموفّق وتولّت تاجوج الردّ:ـ
    :: قل حمداً لله على سلامتكم يا والدي فقد كاد الملاعين أن يقضوا علينا لولا لطف الله، وتحسّب العم حسن وحرصه على حمايتنا لهلكنا جميعاً.. فلاتحمل على الموفّق، نحن من طلبنا منه أن يصطحبنا..
    "" أنا لا أحمل على أحد يا تاجوج ولكني قلق وخائف عليكم جميعاً.. ولكن تعالوا.. تفضلوا بالدخول لنسمع الحكاية بالتفصيل..
    + لابدّ من رجوعنا نحن الآن للقسم يا أستاذي، الشباب سوف يحكون لكم.
    "" حسنا أنزلوا لتناول العشاء معنا وبعد ذلك قادروا إلى حيث شئتم..
    + بدري على العشاء يا أستاذي أنا بعد المرور على القسم سوف أذهب لمقابلة الشيخ لأحكي له ماحدث.
    .
    .



    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    رد: تاجوج عصرها (قصة من الخيال)

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في السبت أكتوبر 13, 2012 10:43 pm



    9
    يكاد مدى الرؤيا لايتجاوز بضعة أمتار إثر عجّ البخور مع ألوان الطيف المتحركة وتداخل الظلال وتخافت الأنوار.. وبدا الحفل البهيج وكأنّه داخل بلورة كبيرة مغلقة.. هكذا بدا المكان لتاجوج العصر والموفّق يتأبّط يدها فوق السجاد الأحمر، يعبر بها المهرجان لعرش الفرح، وقد اختلطت أصوات المهنئين باختلاف لهجهم الحنين يحيّون ويباركون زفاف الحسن والجمال لفارس الأحلام الفارس الهمام.. وبرفقة الفارس تؤازرها طفلتان ووزيرتان (رفبقة دربها هنادي وابنة العمة ريم) جلست تاجوج على عرشها مع مليكها تبادله كئوس الفرح للحظات ماأسعدها قاما بعدها يتقبّلان التهاني من الجمع الغفير.. وبعد جلسة وجيزة نظرت تاجوج حولها، فكان المنظر فعلاً غريب وعجيب، فحدّ البصر لايتعدى ساحة الحفل البهيج، وما وراءه ظلام دامس.. رفعت رأسها تنظر للسماء علّها تجد متسعا تمدّ بصرها فيه، ولكن ويالغرابة المنظر!! بدت السماء وكأنّها مرآة كبيرة تنعكس فيها صورة مقلوبة لكلّ الحفل البهيج.. كانت الصورة المقلوبة واضحةً كلّ الوضوح رغم بعدها النسبي.. وحتى صورتها هي ووصيفاتها ووزيرتاها وفارس أحلامها كانت واضحة لدرجة التفاصيل الدقيقة، وعبارات الفرح على الوجوه.. وحتى تفاصيل أصناف الطعام والمشروبات على الموائد تبدو واضحة تماماً..
    إلتفتت تاجوج إلى عريسها تسأله إن كان يرى شيئاً غريباً، فأجابها بالنفي.. آثرت تاجوج ألّا تفسد جو الحفل البهيج فأعرضت عن ذكر ماترى من منظر غريب.. وبدأت تحاول أن تقرأ آية الكرسي أو أيّ آية من الذكر الحكيم.. لم تسعفها ذاكرتها بحرف واحد حتى من بسم الله الرحمن الرحيم.. ونزلت مع عريسها لساحة الرقص وكان الفاصل الأوّل قد تغلّب فيه صليل السيوف الشرقيّة على أزيز كفوف الشمال المتنازلة طوعاً تاركة الفرصة لهياج السيف والسفروك..
    نزلت تاجوج مع فارسها يرقصان (أوووووبدونا) هو يحمل السيف وهي تحمل السفروك.. وبادلها السيف بالسفروك، لتضع السيف على النحر ويميل القوام اللدن وكأنما قد قطع الخصر ووضع الصدر فوق الكفل.. والرأس متحهاً للأعلى والعينان مغمضتان.. وأحسّت تاجوج باختناق غريب ففتحت عينيها لترى تاجوج الأخرى يكاد وجهها يلامس وجهها.. صرخت تاجوج بصوت عال ووقعت على الأرض وما زالت أنفاسها مختنقة.. أحست تاجوج بقطرات الماء البارد تهبط على وجهها رذاذا، وفتحت عينيها على صوت والدها ووالدتها يضعان يديهما على صدرها ويقرآن آية الكرسي والمعوذتين ويطلبان منها أن تتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم.. ولقّنتها أمّها آية الكرسي وكأنها تقرأها للمرّة الأولى..
    (كان كابوساً مزعجاً لكنّه لا يخلو من جمال)
    كان الجميع لا يزالون في منزل الجدّ سر الختم ينتظرون العشاء وقد كانوا بعد الإفطار الدسم قد أجّلوا وجبة الغداء لتصير عشاءاً.. وأخبروها أنّها كانت قد بدأت تحكي لهم حادثة الرحلة فنامت قبل أن تكمل جملتها الأولى من الحكاية. وأنّها نامت لبضع دقائق لم تتجاوز العشر..
    وفي اللحظة ذاتها كان المحلّق قد صرف الجنود الأربعة بسيارتهم ليعودوا لمنازلهم. بينما أصرّ العم المساعد حسن أن يقود له سيارته ويرافقه لمنزل الشيخ.. كان العم حسن شديد الحذر وخاصة عند المنحنى الذي أصبح بالنسبة لهم مثل مثلّث برمودا. وتجاوزه العم حسن ببطء شديد وسبابته على الزناد.. وكان الموفق قد مدّ جسده في الكابينة الخلفية وظلّ ساهما لبضع ثوان نام بعدها من فرط الإجهاد الذهني والبدني.. وياللغرابة فقد رأى مارأته تاجوج بكلّ التفاصيل. والإختلاف الوحيد أنّه كان يرى مارأته تاجوج هناك وتاجوج هنا لم تر ما يراه.. وأيقظه العم حسن بمساعدة الشيخ عبد المؤمن وكان يئن بصوت عال ويصيح بصوت مختنق.. وبنفس الطريقة تمّ تلقينه البسملة وآية الكرسي كطفل غرير..
    وقاده العم حسن والشيخ إلى سرير في ساحة منزل الشيخ ليروي لهما الزفاف العجيب كما حكته تاجوج لوالديها وكلّ الحاضرين.. كما روى العم حسن للشيخ تفاصيل العاصفة في مزرعة ود شريقي.. فقال له الشيخ:ـ
    = إنّ ما حدث لكما اليوم فيه خير كثير.. فقد عجز الملاعين عن الإضرار بكما عياناً فلجأوا لإزعاجك في النوم ولربما يحدث لخطيبتك تاجوج نفس الكابوس، وهذا علاجه بسيط جداً، فقط عليكم بأذكار المساء المأثورة قبيل النوم.. ويجب تنبيه تاجوج لذلك الآن وقبل أن تنام.. ولكن اطمئنوا فحسب اعتقادي لن يظهر لكما الملاعين عياناً بعد اليوم.. ولكن لا يعني ذلك أن تغفلا عن ذكر الله ولا تتحصنا، فكل الناس معرضين للضرر إن غفلوا عن الذكر.. فإن غفلتما ربما عادوا لمحاولاتهم للثأر منكما.. ليت شيخي إبراهيم كان حاضراً ليؤكد لنا نهاية الشر، لكن سوف أحاول الإتصال به وأحكي له ماحدث ليطمئن قلبي.. مع أنني متاكّد وواثق تماماً مماقلت..
    وعند سماع الموفّق لحديث الشيخ إطمأنّ قلبه واستعاد نشاطه وطلب من الشيخ أن يأذن له بمحادثة من هاتفه لينبّه خطيبته.. وكانت على الطرف الآخر تردّ على الهاتف وتبادره بماكان ينوي أن يقوله لها وبالحرف الواحد.. وقد كانت تحاول الإتصال به لتحكي له الكابوس نفسه.. وكانا يصفان الكابوس نفسه وبكلّ تفاصيله ويذكّران بعضهما الآخر بأدقّ تفاصيل الكابوس اللعين..
    وناما ليلتهما هادئين ولكلّ منهما رؤىً مشابهة تحكي عن المستقبل الواعد.....



      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أكتوبر 20, 2017 2:44 pm