منتديات بورتسودان دريم

مرحبا بكم زوار منتديات بورتسودان دريم يسعدنا انضمامكم الينا كاعضاء فاعلين في منتداتنا
منتديات بورتسودان دريم

علي الحب نلتقي يجمعنا حلم الرقي بمنتديتنا الرائعه

المواضيع الأخيرة

» منحة التوظيف من سوبر سمارت اكاديمى اسئلة واجوبة حبيت انقله ليكم للاستفادة
الأحد يناير 12, 2014 11:24 am من طرف احمد عبدالعظيم

» بورتسودان ، عروس على شاطئ الجمال
الثلاثاء ديسمبر 24, 2013 6:51 pm من طرف شذى الياسمين

» كيف نقي أنفسنا من أشعة الشمس الضارّة فى فصل الصيف ؟
الأربعاء أبريل 17, 2013 4:46 pm من طرف shery adel

» الحب تلك الكلمة المكونة من حرفين
الثلاثاء أبريل 16, 2013 8:12 pm من طرف shery adel

» موضوع جميل عن الصداقة ........!
الخميس أبريل 11, 2013 10:17 pm من طرف shery adel

» أنآقـــه اللسآن
السبت أبريل 06, 2013 9:00 pm من طرف shery adel

» أفضل شيء عند الشباب والبنات....................
الإثنين أبريل 01, 2013 6:04 pm من طرف shery adel

» كل ماسكات التبيض للبشره والجسم
الأحد مارس 31, 2013 4:20 pm من طرف shery adel

» سبوع بس وهتحصلي علي معده مشدوده وجسم مثلي
الثلاثاء مارس 26, 2013 3:14 pm من طرف shery adel

التبادل الاعلاني

سحابة الكلمات الدلالية


    تمر الهيوب .. قصة

    شاطر

    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    تمر الهيوب .. قصة

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في الأربعاء أكتوبر 31, 2012 12:00 am

    تمر الهبوب
    1
    نشأ الصغير مندور وترعرع وسط أشجار النخيل. وما أدراك ما شجرة النخيل. تلك الشجرة المباركة التي ارتبط بها وجدان أهلنا في شمال السودان، خبروها وخبرتهم، أعطتهم الكثير في زمن كان طعمه من طعم ثمارها الحلوة. كان الصغير يتابع مع أسرته الصغيرة مراحل عطاء النخلة حيث تبدأ مراحل إنتاجها في تؤدة وتمهل وكبرياء وحساسية مفرطة. كان يتابع مع أهله هذه المراحل باهتمام منذ البداية، يتابعون شجرتهم الحبيبة بكل الحنان والحب. تبدا المرحلة الأولى في منتصف أو أواخر ديسمبر بالنخيل الذكر. ذاك الفحل القوي الخشن في مظهره، مع تباشير الشتاء يبدأ بإنتاج حبوب اللقاح في شكل زهرات صغيرة، تتحور تدريجيا ليغطيها جراب صلب تنمو بداخله حبوب اللقاح وتراقبه العيون الحادبة صباح مساء. وهناك تكون النخلات الأنثيات الرقيقات قد أزهرن أيضا وتزيّنّ وفتحن قلوبهنّ استعداداً لاستقبال اللقاح الميمون. كان المندور يسمع تلك العبارات التي ألفتها الآذان، يرددها هواء أمشير في عشرة الراعي (ذاك القرض الحسن الذي تهبه أم شير لأختها طوبة في كلّ عام) تسمع عبارتي التمر جبّد، والضكر فقس. وهنا يأتي دور القفّاز المتخصص في عملية تلقيح النخيل، ليقوم بقطع جرابات الضكر وفتحها ورص السبلات الحاملة لحبوب اللقاح المشبّعة بالدقيق، وربطها بخيط نسيج الجراب المتين في ربط صغيرة، يحملها في كيس من القماش، (خرتاية الضكر) ويصعد بها نخلةً نخلة مهما بلغت من الطول، ليبث في قلبها وزهراتها المتفتّحة من إكسير الحياة.. هو الرجل النحلة قفّاز النخلة وصاحب
    السبيطة الأولى من كل نخلة عند الحصاد..
    في تلك القرية الوادعة على ضفاف النيل في ضواحي (المحس) فتح الطفل مندور عينيه على بواسق النخيل وخضرة الجروف، في منزلهم المبني من اللبٍن (الطين)، المطلّ على النيل. الحياة في غاية البساطة والناس يعيشون في نعمة الرضا بالكفاف. مستوري الحال، لا قيل ولا قال، ولا كثرة سؤال. المنزل علي بساطته واسع الفناء، مكون من غرفتين تتوسطهما فرندة، والمطبخ (الدونكا) أمامه الراكوبة (اللقدابة) وبداخله تربيزة خشبية متوسطة الحجم فوقها كل احتياجات المأكل والمشرب من صوان وصحون.. وكبابي الشاي والكفتيرة والبراد، لها رف خاص مثبّت على الحائط فوق التربيزة. السقف مِرق من جزع الدوم تثاقلت فوقه فِلق من جزع النخيل. ونسيج الجريد والنعال من الطين المخلوط بالأسد الذي هو بقايا درس القمح (النوريق) وفوق النعال عدة بلطات عبر السنين من الزبالة من روث البهائم المخمّر مع الطين.. تثاقلت الحمولة على مرق الدوم المسكين فأطلق زفرات من أنين، أحسّ بها عباس والد مندور فدعمه في الوسط بشعبة السنط (الأمينة).. وبجوار الأمينة الصابرة على مرّ السنين، حبال من ألياف جزع النخيل (العشميق) تدلت مفتولة من أعلى لتتفرع في شكل مظلة من الأسفل تشكّل مبيتا مريحا لحلة الملاح. ذاك هو المعلاق ويسمونه (المشلعيب) في مناطق تتقلّب فيها الحروف. وبجانبه آخر أكثر جمالا مصنوعا من ضفيرة سعف الدوم، ومصبوغ بألوان شتى. تبيت فيه قرعة اللبن الحليب، بعيدا عن متناول اللصة قطة الجيران..
    نخرج من الدونكا (المطبخ) للفناء الفسيح.. هناك في الركن القصي إستراحتان مستراحتان. بين بيت الأسرة و الديوان. ويالوجع أمّ العيال إذا صحا طفل في جوف الليل وفي عزّ الشتاء القارس لقضاء حاجة.. والكبير في هذا الزمان تلزمه ركشة (موتور) ليستريح..
    تحت شجرة المانجو الظليلة جلس أفراد الأسرة الصغيرة. الوالد عباس عاد يحمل جرابان كبيران من ذكر النخيل القابع فوق الجدول، )الضكرة الفوق الجدول) فقسا مبكّرين واستحقا القطع والتربيط. وبعد الغداء والشاي جلس الوالد وإبنيه الكبير محمود والصغير مندور، جلس الوالد أرضا مفترشا المصلاة (التقروقة (البالية وأمامه الصينية الكبيرة. وبالمنجل المسنن شقّ جرابي الذكر وطرح حصيلتهما على الصيينية فامتلأت لأمّ عينها. (تبارك الخلّاق). وبدأ في إعداد وربط الضكر بحرص شديد. والمحمود والمندور يمدانه بخيوط الجراب بعد سلخها بسنانهما. وهنالك في زاوية أخرى أمام اللقدابة (مظلة من جريد النخيل) جلست أمّ العيال أمونة ومعها بنتيها سكينة وعائشة وقد أمسكت كلّ منهنّ بالإبرة والخيط تحيكان أكياسا صغيرة من الدلاقين (الخرق البالية)، فالعنبة الوحيدة في القرية تحتاج هذه الأكياس لتقي ثمارها التي بدأ ماؤها يحلوّ من نقدات العصافير. هذه العنبة جلبها عمّ الصغار أحمد من مصر حيث يعمل في المهجر في القناطر الخيرية. كان ذلك قبل ثلاثة أعوام في عطلته السنوية. وهو في كل عام يعود مع أسرته الصغيرة المكوّنة من زوجته الفلاحة البيضاء الجميلة فردوس وبناته الثلاث فريال وسعاد ونور. وكان يجلب معه الهدايا لأفراد أسرة أخيه الوحيد حسن. وخاصة ملابس الشتاء من الصوف والكستور والأحذية الجلدية. وكان حضورهم عيدا كبيرا لأسرة عمّهم وخاصة الصغير مندور. حيث كان يحب اللعب مع بنت عمّه الصغيرة نور، وتعلمه ألعابا جديدة.. تعلّم لهجتها المصرية الحلوة مثلها بلكنته النوبية حيث الكل هنا برطنون ومعظم أهل القرية لا يتحدّثون العربية إلا قليلا. لكن المندور تعلّم بفضل نور الصغيرة التحدث بالعربية بطلاقة تفوق بها على أقرانه في المدرسة. وأصبح ترتيبه الأول بلا منافس ..
    أكمل حسن و إبنيه إعداد الضكر، وأدخله في الخرتاية (كيس من القماش) وأدخل الخرتاية في جوال من الخيش ورفعه فوق اللقدابة في انتظار القفّاز (من يلقح النخيل) خليفة ابن المناصير الذي استوطن معهم في القرية فأصبح القفّاز الأول في القرية. و له منافس ضعيف هو عويس ولد الحلب (الغوازي) الذي لا يرغبه أحد من أهل القرية إلا اضطرارا، حين يعجز خليفة ولد المناصير. حمل حسن وإبنيه أكياس العنبة وخرجوا لحمايتها من الطيور. كانت شخاليب العنب كثيرة وكبيرة، وحين تنضج يذوق كلّ الجيران والأحباب طعم العنب، و الفائض منها يجفف ذبيباً لرمضان..


    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    رد: تمر الهيوب .. قصة

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في الأربعاء أكتوبر 31, 2012 12:32 pm


    2
    لم يكن النخيل هو الشاغل الوحيد لأهل القرية، لكن النخيل هو الثروة الرئيسية. وقد اشتهر المحس بالعجوة الجيّدة..
    ياعجو المحس التقيل فدع العراجين
    إنت مابيدوك لي زولا مســـيكين
    إلا واحدا نخلو مشتول في البساتين
    وامتلاكهم للنخيل هو عزّتهم وفخرهم وثروتهم ويمتد النخيل من طرف الجروف حتى بداية الحقول حيث زراعة القمح والفول والذرة الشامية.. أما أنواع التمور فهي القنديلة والتمودة والبركاوي والعجوة التي يتغنون بها.
    .. عجوة القنديلة عسليميمنا
    (عجوة القنديلة أحلى من العسل)
    خايف يسحروك عسليميمنا ..
    عريس بروي فير عسليميمنا
    (فارس الأحلام المنتظر)
    جينا ننحننوك عسليميمنا ..
    جوه حوش أبوك عسليميمنا
    (شيئ بالعربية وشيئ بالنوبية)
    أمّا تمر العجوة الثقيل فهو روما وهو قليل ولايبيعونه ولكن فقط للأكل والهدايا.
    وبعد التمور نأتي حقول القمح مساحات كبيرة نسبيا حيث تمتلك الأسرة من فدانين لثلاثة فدادين. وتتقسم المساحة بين القمح والفول والذرة الشامية والبرسيم. وهم مثل معظم أهل شمال السودان يعانون من ضيق الأرض مما جعلهم يهاجرون داخل السودان معلّمين في المدارس الأولية (الأساس) والمتوسطة. وقد أجادوا اللغة العربية تماما مع لكنة في اللسان لاتزول مع الزمن. والشاهد أنّ شاعر السودان الأول خليل فرح (عزّه في هواك) واحد من هؤلاء القوم.
    معبد صادنقا و صولب وسيسه صاي وعماره غرب وآثار مملكة كوش القديمة.. هذه ثروة أخرى منعتهم الطيبة والكرم الفيّاض من استثمارها. كثيرون الخواجات السواح وعلماء الآثار الواردون إلي المنطقة لرؤية الآثار الممتدة من عصر الفراعنة (أربعة آلاف سنة قبل الميلاد وحتى مملكة كوش). وكان واحد فقط من أهل القرية يعرف شيئا من اللغة الإنجليزية، يناديه أهل القرية للتفاهم معهم ليقدموا لهم واجب الضيافة. وفي مرة من المرات في أواخر رمضان، جاء الفتى مندور رسولا إلى الترزي محجوب ليخبره أنّ عددا كبيرا من الخواجات قد نزلوا ضيوفا في منطقة الآثار وأنّ أهل القرية في انتظاره ليتفاهم معهم ويدعوهم إلى ديوان العمدة لتقديم واجب الضيافة. لكن الترزي اعتذر عن الحضور بسبب أنّه يخيط للناس جلابيب العيد وأنّه مشغول ولا وقت لديه يضيعه في الأمور الفارغة. و لم تكن هذه أول مرة يفعلها الترزي. إغتاظ الفتى مندور (تلميذ الصف الثاني الإبتدائي) من الأسلوب الرديئ الذي ردّه به الترزي خائبا و أسرّها في نفسه.. أقسم الغتى أن يجرّد الترزي اللئيم الذي كان يعمل طبّاخا مع المستعمرين الإنجليز. ولم يرجع لأهله ليخبرهم بأن الترزي قد خزلهم وتقاعس عن المهمة، بل ذهب مباشرة للمنطقة الأثرية حيث حلّ الضيوف الأجانب وسلّم عليهم (هلو هلو هلوووو) واقتادهم بلباقة إلى ديوان والده المليئ بالأسرّة والكراسي. وبعد أن قدّم لهم الماء البارد من الزير القناوي بكبابي الشوب القابعة في فضية أمّه ولم تغادر من قبل أن يولد. ثمّ سألهم بالإشارة إن كانوا يريدون أكلاً. وفهم أنّهم يحملون معهم من المعلبات ما يكفيهم. فأسرع و أحضر لهم كمية من الخبز (الرغيف البلدي) من صنع أمّه (زينوبة) وملأ جردلا كبيرا من عصير اللارنجا من الشجرة النابتة عشوائيا (بروز) أمام دارهم..
    أكل الخواجات وشربوا العصير والشاي المنعنع من يد زينوبة التي كانت في غاية السعادة وفرحة بتصرف إبنها الذي كانت ترى في عينيه ذكاءا ونبوغا. وبعد أن خلد الضيوف الفرنجة رجالا ونساءا (لا فرق) للراحة، أطلق الفتى ساقيه لديوان العمدة حيث الجميع ينتظرون حضور الترزي ممدوح مع الضيوف. ولمّا دخل عليهم سأله العمدة ..
    :: أين الترزي وأين الخواجات ياولد ؟؟
    // محجوب رفض الحضور، قال أنّه مشغول بحياكة جلابيب العيد ..
    :: ولم لم تحضر وتخبرنا؟ وأين ذهبت كلّ هذا الوقت؟
    // ياعمده أنا ذهبت للخواجات ودعوتهم لديوان والدي و أكلوا وشربوا وناموا..
    ::يا ابن الكاااالب كلّ ذلك فعلته ونحن جالسين في انتظارك مثل الطراطير؟ وكيف استطعت التفاهم مع هؤلاء النصارى؟؟ يا ابن الإيييييييه !!!!!
    أشار مندور لرأسه وقال :ـ
    // هنا يوجد عقل يا عمده وليس فردة حذاء.. (يا لجرأة الصغير)
    وضحك الحاضرون مما جعل العمدة يغتاظ من الصغير ويتحرك نحوه بعصاه. وهنا وقف والده عباس معترضا العمدة . وقال للعمدة:ـ
    "" الولد جزاه الله خيراً، لم يفعل ما يستحق عليه الضرب. تفاهم مع الضيوف و أكرمهم ..
    :: إذهب ياولد وادعهم لينزلوا هنا في ديوان العمدة بلاش كلام فارغ ..
    // لكن ياعمدة أنا لا أعرف الإنجليزية، تعال إنت وتفاهم معهم.
    :: لميض ولدك هذا ياعباس!! إذهب وأحضر الخواجات كما أحضرتهم لبيتكم الخرابة.. أخبرنا كم أعطوك لتؤجّر لهم خرابتكم؟؟..
    // وكم كانوا سيعطونك يا عمده لناخد منهم نصف ما كانوا سيؤجّرون به سرايا والدك العمدة الكبير..
    كأنما نزلت صاعقة على رؤؤس القوم. يا لهذا الصغير الشقي الشجاع فقد فضح أمر العمدة الذي كان يؤجر ديوانه للسواح، والكلّ يعتقد أنّه يكرمهم، بل كانوا يشاركونه في الكرم بجلب الفاكهة والهدايا من المصنوعات اليدوية من أطباق و طواقي وفوط مطرّزة. والعمدة يبيعها للسواح..
    لم يستسلم العمدة وأرسل الحرس ليحضروا الترزي ويذهبوا به لديوان حسن ويحضروا الضيوف لسرايا العمدة. ولكن الخواجات رفضوا وقالوا أنّهم أحبّوا الديوان المطّل على النيل، كما أحبوا الصغير مندور.. ولازمهم مندور لمدة أسبوعين وتعلّم من لغتهم الكثير وأصبح يتفاهم معهم بسهوله ووعدوه أن يرسلوا له الكثير من وفود السوّاح. وكان أحدهم يمتلك شركة تعمل في مجال السياحة ..ومنذ ذلك الوقت أصبح السواح عند حضورهم يبدءون خارطة طريقهم ببيت الصغير مندور..
    و ضاع العمدة (شمار في مرقة) ..
    وعند مغادرتهم دسوا في جيب الصغير حفنة من الدولارات تكفي بيتهم لعام كامل .
    أصبح للفتى مندور شخصية وصيت عند أهل القرية، وبين أقرانه ومعلميه في المدرسة. كان الناظر الباقر يناديه كل صباح ليدردش معه بالعربي وبعض الإنجليزية المكسّرة، وكان مندور يصححه أحيانا ولكنه تعلم منه الكثير من الكلمات. وفي عطلة المدرسة سافر مندور لخاله في الخرطوم حيث تلقى درورساً مكثّفةً في اللغة الإنجليزية من معلّم خاص لمدة شهرين، عاد بعدها لتصادف عودته حضور ستة من السواح الرجال ومعهم سيدتين. جاءوا مباشرة متتبعين خريطة يحملونها لبيت الصغير. رحب بهم الفتى وأكرمهم غاية الكرم كمافعل مع سابقيهم.
    وبعد أن خلد الخواجات للراحة، ومندور بجانبهم يخدّم عليهم ويهيئ لهم سبل الراحة، سمعوا ضجيجا مزعجا في الخارج وطرقات عنيفة علي باب المنزل. خرج مندور ليجد عددا من العسكر يقتحمون البيت، وأمه تصيح و سيارة كبيرة تقف أمام الباب. أمسك الجاويش بالطفل وطلب منه أن يخرج الأجانب و يأتي معهم لأنهم مطلوبين في المركز. وكانت أمه ما زالت تولول وتندب حظها ووالده غائب في الحقل. تحدث مندور مع أمه وطلب منها الهدوء لأنه لم يرتكب أيّ خطأ وسوف يعود ومعه ضيوفه بعد أن يتحروا معهم وأخبرها أنّه يحسّ أنّ العمدة قد دبّر هذه المكيدة.
    ودخل على الخواجات وأخبرهم بالأمر فخرجوا معه بعد أن أخذوا معهم أوراقهم من جوازات وتصاريح من وزارة السياحة ومصلحة الآثار. وهناك في قسم الشرطة علموا أنّ العمدة قد فتح بلاغا يتهم الفتى فيه بالإخلال بأمن البلد والتآمر مع الأجانب لسرقة الآثار. وطلب ضابط المركز من الخواجات إبراز التصاريح والأوراق الثبوتية، وبعد الفحص أطلق سراحهم. وحقق مع الفتى..
    :: أنت ياولد ما علاقتك بهؤلاء الخواجات ؟؟
    // والله يا جنابو الخواجات هؤلاء نزلوا عندي ضيوف وأكرمتهم.
    :: ولماذا ينزلون عندك إنت بالذات هل عينوك عمدة البلد أم أنّك شيخها؟؟
    // والله جنابك ممكن تسألهم أنا ما دعوتهم، هم نزلوا عندي ضيوف، لمّا عرفوا أنّي أجيد الإنجليزية. ربما أخبرهم عني جماعة من الأجانب كنت قد استضفتهم من قبل..
    :: وانت يا ولد من أين تعلمت الإنجليزية؟؟
    //ولله جنابك تعلمتها فهلوة.. وهل يوجد قانون يمنعني تعلم الإنجليزية؟؟
    :: لا يا شاطر لا بوجد قانون يمنعك .. عفارم عليك.. (وفي هذه اللحظة دخل العمدة مزمجرا)
    " شوف جنابك العيّل ده عايز يجنني. بدل ما الضيوف كانوا ينزلوا عندي في السرايا بتاعتي، أصبحوا ينزلوا في الخرابة بتاعة أبوه..
    :: يا عمدة، همّ أحرار في اختيار مكان نزولهم. ياعمدة إنت فتحت بلاغ كاذب ضد الولد الصغير هذا، وتسببت في إزعاج السلطات. وهذا في حدّ ذاته جريمة يعاقب عليها القانون. وانت عمدة و المفروض إنك تعرف القانون جيّداً. وانت ياولد لو كنت تريد فتح بلاغ ضد العمدة فأنا سأدخله الحراسة فوراً..
    // عيب يا جناب الضابط هذا عمدتنا ومكانه فوق رؤوسنا كيف نشتكيه !!! دعنا فقط نأخذ عليه تعهد بعدم التعرض لنا مرّةً أخرى ..
    :: والله أنّك ابن حلال فعلا، تعال ياعمدة واكتب تعهد بعدم التعرض لهذا الولد مرةً ثانية.
    و رجع المندور لأمه و أبيه منتصرا، واستحق أن يُذبح له كبشا..
    كان أبوه قد عاد غاضبا من فعلة العمدة ومصرّا أن يأخذ بثأر ولده بيده. ولكن مندور أثناه عن ذلك، وحكى له كيف أنّ العمدة بجسمه الكبير قد صار في حجم حبّة السمسم أمام المأمور في المركز. وكيف أنّه شفع له عند المامور حتى لا يدخله الحراسة.. و أنه أخذ عليه تعهد بأن لا يتعرض له مرة أخرى.. ففرح الوالد حسن بولده وتوجه إلى الزريبة وأحضر خروفا ذبحه.. وأكل الخواجات لأول مرة معهم من الشواء الطازج وشاركت الخواجيات زينوبة في عمل الشية. وشاركهم الجيران الوليمة وفرحة الإنتصار على العمدة..
    ومكث الخواجات معهم عشرين يوما وغادروا بعد أن أغدقوا على الفتى أكثر من سابقيهم..
    كان البلح في مرحلة الهرود وما أدراكما الهرود من تمر المحس.. الهرود يسقط في مرحلة نمو البلح الأخضر (الدِفّيق،) ليتيح الفرصة لرفيقه المزدحم على السبيط لينمو، وفي هذه المرحله يكون الماء المرّ في الثمرة قد بدأ مرحلة التحول للحلاوة فيكون طعمه مستثاقا. وتجد الصبية الصغار يهرعون للقيط الهرود، يأكلون ويضعون بعضه في جيوب العراريق الدمورية. وفي هذه الفترة كل العراريق تكون قد تلونت بصبغة الهرود الداكنة التي لايزيلها ماء ولا صابون.. وتتعب الأمهات من الغسيل و الهرج بلا فائدة..
    أما الفتى مندور فقد ترفّع عن أكل الهرود هذا العام، ولبس الملابس الأفرنجية من هدايا الخواجات من أردية وقمصان وبناطلين ما طالها ناظر المدرسة. و أصبح الكل يناديه (مندور أفندي
    )


    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    رد: تمر الهيوب .. قصة

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في الخميس نوفمبر 01, 2012 12:39 pm


    3
    [color=blue]
    وتمرّ شهور مابعد اللقاح (القفوزة) للنخلة الملكة التي يعمل الجميع خداما لها، رجالا ونساءا و صبية، تلك الشهور التي تكشر فيها الصحراء الكبرى عن أنيابها فترمي ساكنيها بوابل من الحر والسموم، جفاف في الهواء والأرض والنيل والضرع والجيوب. أبريل، مايو ويونيو، صيفية لازعة تعقب نفحات طوبة وهواء أم شير وحنان برمهات. فلا يصدق المرء من فرط الحر والسموم أنها ستعود مرة أخرى. يزرعون الصيفية نعم، ولكن ضيق الأرض يجعل الحصيلة قسمة بين الناس والبهم والحمير فلا تكاد تسد رمقا لحد الكفاف ..
    ثم يأتي شهر يوليو بطعم المبقّع وأم راس والنصف الحلو يعقبه النصف الأصفر. والمشرقية والمدينيّة، وما أدراكما المشرق والمدين مع ترمس حاجة مدينة المنفّخ. عليك أن تحترس و أنت تفسّخ وتقذف به داخل الفم من اصطدامه بالحلق فتختنق بدلا من أن يقيك من العشراقة السكّريّة. وبعدها يروون الظمأ إنبطاحا فوق حافة الجدول العكر. وما أحلى الطعم العكر وطعم الطين. لهو أكبر دليل على أنّ الأصل فينا طين..
    والطاب والطبطاب من الجريد الأخضر والعرجون نشقق منه أربع طابات بطول عشرين سنتيمتراً، ذات وجهين أخضر قد تشوبه صفرة ووجه أبيض ناصع. ونقذف الطابات الأربع فوق الرمل الممهد بأكفنا الصغيرة. ويا لحظ من يحظي (بالستا) ذات الوجوه الأربع الخضر من الطابات فيكون عمدة اللعبة. أما شيخها المخضرم هو )الأربش) صاحب الوجوه الأربع البيض. يليه (الولد) صاحب الثلاث البيض وواحدة خضراء فهو منفّذ الأحكام حال غياب الشيخ الأربش. ومن تنعكس عنده الطابات ثلاث خضر وواحدة بيضاء فهو (التلِّي). ويا لسوء حظ من تتساوى عنده الألوان (اليوم) فيومه أسود فهو يتلقي الجلد على يديه بالجريد والعرجون ..
    بإنقضاء يوليو ودخول شهر أغسطس والحر نار يسفر عن هِبوب رياحٍ قوية يصحبها غبار يكاد يحجب الرؤيا تماماً. وعادة ما تأتى تلك الرياح ليلاً، حينها يستعد الجميع للإستيقاظ باكراً. فتلك الرياح تساقِط التمر حتى تظن أن لا فضل فيه. وقبل الفجر ترى الكل مسرعا الى تمر الهبوب، من يحمل السلّة ومن يحمل الجوال. وأهم شى البطارية الطورش، فإن لم تكن ذات ضوء قوى، فقد يقع ما لاتحمد عقباه، وربما تعود بحصيلة وافرة من مخلفات الثعالب و الجمال .
    فى أيام الزمن الجميل لا يتقيد أحد بجمع تمر الهبوب من تحت نخيله فقط، فالعرف آنذاك أن تمر الهبوب حق مشاع، وأحق الناس به من لا تمر له.. ويحضرنى هنا عندما الكبار يغرسون الفسيلة (الشتلة) يرددون (بسم الله، بسم الله، بسم الله، للسراق وللمحتاج وللصرمان وللجعان). ما أحلاها من أيّام !!! كانت البلد جميلة ومليئة بالخير والخيرات، ارتبط بعضها بالنيل الخالد فيضاناً و انحساراً. وارتبط الآخر بالنخلة تلك الشجرة المباركة المعمّرة التي يستمر نفعها لسنوات عديدة، وينتفع بها زارعها حياً كان أو ميتاً..
    وقبل حصاد التمر يأتي موسم تمر الهبوب، هبة و منحة من الخالق الرازق للصبية والنساء دون غيرهم ولعل مما يزيد من أهمية تمر الهبوب، أنه يأتي بعد شهور مجدبة تعقب موسم حصاد القمح و الفول ( مايو و يونيو ) هذه الشهور الجافة هناك، فالآبار تقطّ و مثلها الضروع والجيوب..

    وأسرّ المندور لوالده بفكرة راقت لوالده وشرع في تنفيذها فورا .
    بعد أن غادر الضيوف الخواجات أصبحت الحصّالة مليئة، خاصة وأنّ الوالد كان رجلا بسيطا وزاهدا لا يهتم كثيرا بالمال والتجارة والإستثمار. لكن الفتى المندور صاحب العقل المتفتح تفتّقت قريحته عن فكرة تطوير مصدرالرزق الجديد، واقترح على والده أن يقوم ببناء منزل جده الذي أصبح بعد وفاة الجد والجدة مرتعا لدابة الأرض و انهار سقفه. إقترح عليه أن يهدم المنزل الخرابة ويبنيه على الطراز النوبي. لما عرفه عن ولع السواح بكل ما يتعلق بالتراث النوبي القديم. وأن يجعلوا منه فندقا صغيرا لإقامة السواح، مماسوف يدر عليهم عائدا كبيرا. راقت الفكرة للوالد، لكنّه كان متخوفا من أن تجر عليهم الفكرة متاعب الترخيص والبلدية والصحة والضرائب والعمدة. إلخ .. وبعد نقاش طويل وافق الوالد على فكرة استقلال نصف المساحة (نصيبهم في الميراث). على أن تكون مفتوحة على فناء الديوان. و أن ينزل السواح عندهم وكأنّهم ضيوف بلا تحديد لسعر إقامتهم. وكما قال الوالد (في النهاية القاسمها ربنا نحن راضين بيها). وبدأ الفتى يرسم ويخطط على كراسات المدرسة..
    وكانت الفكرة أن يتم بناء ست غرف بالحجر وكذلك السور الخارجي. ويراعى في البناء أن يكون على الطراز القديم بكل زخارفه. والباب الخارجي يكون باب من خشب السنط، يعلوه قوس مطرّز. وكذلك أبواب الفرندات والغرف يعلوها القوس السنطي المطرّز..
    وبدأ العمل الدؤوب ...
    بدأ العمل بطرح المنزل القديم (منزل الجدود) أرضا لتشكل مخلّفاته ردمية عالية. ونزل الحجر الأبيض والحجر الأسود بكميات كبيرة جدا جعلت أهل الحي وخاصة المقرّبين من العمدة بإطلاق شائعات كثيرة. فمنهم من يقول أنّ الفتى قد وجد كنزا أثريا في جولاته مع الخواجات. ومنهم من يقول أنّه احتال على الخواجات واستنزفهم أو سرقهم. ولكن الكل كان يعتقد أنّ مندور ووالده قد أثروا، و أنّهم فقط يجدّدون بناء بيتهم ليباهي سرايا العمدة..
    وبدأ البناء تحت إشراف مهندس مصري متخصص جاء به أحمد (عم المندور) من القاهرة بعد أن كتب له أخوه بإيعاز من فتاه النجيب. جاء العم من مصر بصحبة زوجته الفلاحة والبنات الثلاث محمّلا بالهدايا كالعادة وبصحبته مهندس المشروع وعدد من العمال من صعيد مصر ..
    ولم يبخل مجذوب ووالده على الضيوف وأكرموا وفادتهم بالوجبات الشهية والشواءات من لحوم الضان، حيث قام والد مجذوب بشراء ثمان من الخراف و كان يذبح خروفين كل جمعة تكفيهم وضيوفهم لأسبوع. واشتروا ثلاجة أكبر من ثلاجة العمدة تعمل بالجاز الأبيض. وكانت الكهرباء لم تدخل بعد، ولا توجد في البلد سوى ثلاجتين واحدة عند العمدة والأخرى عند أحد تجار المحاصيل..
    جلس الفتى مع المهندس المصري وطرح له الفكرة والخرطة لبناء البيت النوبي. تعجّب المهندس العجوز من ذكاء الفتى وبشر والده بأن سيكون لإبنه هذا شأن عظيم. وبدأ العمل في البناء حيث حدّد المهندس موعد التسليم بعد شهر واحد. وهاهم العمال الصعايدة قد بدأوا يعملون اليوم جلٌه كالنحل، مما أدهش أهل المندور (المحس) وجاءوا من كل فجّ يستطلعون..
    نور على نور يشعّ فوق وجه نور. ويا لجمال وحلاوة بنت العم نور. تبلورت وما عادت تلكم الطفلة التي كانت تلاعب الفتى المندور. حاول الفتى أن يستعيد الذكريات وقدّم الدعوة لعمّه وزوجته الفلّاحة وبناتهم لرحلة ترفيهية في مناطق الآثار. وأعدّ للرحلة باستئجار حافلة وشراء خروف مع تبعاته. وفي الرحلة وجد فرصة الإنفراد بابنة عمّه وأسرّ لها مباشرة رغبته في خطبتها من عمّه. فقالت له أن لامانع ولكن نحن ما زلنا صغار. واتفقا على أن يحعلا العهد بينهما ولا يفصحا عنه في الوقت الحالي. لكن الفلاحة أمّها لاحظت وعرفت بعد استجواب الفتاة الصغيرة..
    و قالت لمندور:ـ لو كنت شاري بنت عمك تيجي وتاخد لها شقة هناك في مصر، هو انت فاكر إنّها حتقدر تعيش معاكم هنا؟؟
    ردّ عليها الفتى بسرعة وثبات قائلا بلهجتها المصرية:ـ لا يا مراة عمي، لو كانت بنت عمّي شارياني تيجي تعيش معاي هنا. هو انت انت فاكرة أنا حا اسيب مصالحي واهجر بلدي علشان ولية؟؟. على كلّ حال لسه بدري على الحكاية دي نأجل الموضوع ونسيبو للزمن ..
    هاهو البناء قد اكتمل فعلا خلال شهر واحد، و أصبح معلما كبيرا من معالم البلد. فقد كان عاليا وجميلا بطرازه النوبي من الخارج. بينما كان من الداخل حديثا ببلاط أرضيته السراميك وأحواضه الرخام التي لا مثيل لها في البلد. أما الدواليب فكانت داخل الحيطان مطلية بنفس لون الحائط الأبيض المشوب بزرقة. والأسِرّة من خشب السنط قد شكّلت بعض أرجلها بشكل الحُق (وعاء يوضع فيه الطيب) وبعضها بأشكال أثرية ..
    إنتهى البناء و التـاسيس وانتهت معه الحصيلة. و ما أن سافر المهندس وعماله، والعم أحمد وأسرته، جاء وفد كبير من السواح ..
    وهكذا استمرّ ورود السواح على فترات متقطعة غالبا ما تكون في فصل الشتاء. ولكن زيارة واحدة لوفد معتبر من السواح خلال العام كله، كانت كافية لجعل أسرة المندور تعيش في بحبوحة طوال العام، إذ كان إيراد البيت النوبي أضعاف مايجنونه من محصول التمور. واستمرّ الحال علي أحسن مما يكون. ولم يترك المندور جده واجتهاده في الدراسة والتحصيل وخاصة اللغة الإنجليزية.
    [
    /color]

    خالد البدوي بابكر

    عدد المساهمات : 16
    تاريخ التسجيل : 06/10/2012

    رد: تمر الهيوب .. قصة

    مُساهمة من طرف خالد البدوي بابكر في الأربعاء نوفمبر 07, 2012 1:27 am


    4
    وهاهو المندور قد أكمل المرحلة الثانوية و أحرز نسبة عالية تؤهله للوصول لمبتغاه الذي هو دراسة اللغة الإنجليزية في الجامعة. وكان لابدّ من السفر للخرطوم. وجلس مع أخيه الأكبر محمود الذي كان قد اكتفى بإكمال المرحلة الثانوية والعمل مع والده في الزراعة. وخطط المندور أن يتولى أخوه محمود إستقبال السواح، وقد كانت لغته قد صقلها الإختلاط مع الأجانب من السوّاح، وبمقدوره القيام بالمهمة بسهولة ويسر. بينما فكّر المندور أن يستفيد من تواجده بالعاصمة لخلق العلاقات مع السواح القادمين عبر المطار و يعمل على تنويرهم وتعريفهم بالمنطقة ثمّ إرسالهم لأخيه. و هكذا تكتمل الدائرة ..وبينا هما جالسين يخطّطان لمستقبل الأيام، فاجأهم صوت الوالدة تصيح:
    ( يا ابومروّة ألحقوني يامحمود يا مندور أبوكم مااااااااااات .. )
    وكانت قد حملت له كوبا من الشاي لتجده قد فارق الحياة. وكانت الأحزان كبيرة تنفّسها الفتى المندور وإخوته ووالدتهم زينوبة واعتصروها ألماً في القلوب. ومضت أيام العزاء كئيبة. وسافر الفتى للتقديم للجامعة مع خاله ذاك الذي ما برح مقيما بالخرطوم. وكان قد حضر للعزاء. و في صبيحة اليوم التالي من وصولهم للخرطوم، خرج المندور مع ابن خاله لسوق السجانة لتقضية الوقت مع بعض الأقارب الذين يعملون في السوق. وكان قد ارتدى جلبابه البني المطقّم بالطاقية والشال. وهناك في السوق ويينما المندور ورفيقه جالسين مع بعض أقرانهما يتآنسون داخل دكان داؤود منجّد المراتب المحسي، دخل عليهم أحد أقربائهم و كان يعمل سمسارا. وسلّم الرجل على المندور بحرارة وأخذه جانبا ليخبره بأنّ هناك شركة ماليزية تعمل في مجال النفط ومديرها خواجة إنجليزي، و هذه الشركة تجري معاينة الآن لاختيار موظف في مجال العلاقات العامة وشجّعه على الذهاب فورا لدخول المنافسة. وأخبره أنّ المنافسة سوف تكون في إجادة اللغة الإنجليزية. خرج معه الرجل السمسار و أركبه تاكسي وصف لصاحبه مكان الشركة وقال لصاحب التاكسي:ـ (تودي الولد ديه وتنتظره لحد ما يخلّص المعاينة وبعدين تجيبو لي راجع هنا وحيديلك تلاتين جنيه. إبن الإيه عنده فلوس بالكوم. بعدين شوف يامندور، لو أخدوك في الشركة الأجنبية ديه أنا حقي برّه، ميّة جنيه، الجنيه يحك الجنيه، مش حا اتنازل عن مليم واحد يلّلا شدّ حيلك) وانطلق التاكسي إلى مدينة الرياض حيث مقرّ الشركة ..توقف التاكسي عند باب الشركة وترجّل مندور ودخل الصالة الكبيرة حيث يجلس المتنافسون على الوظيفة وكان عددهم كبيرا يتجاوز الثلاثين شاباً، وكلّهم يرتدي البنطال والقميص ورباطات الأعناق التي لا يعرف المندور كيف يربطها. جلس قليلا و بدأت المعاينة وكانت المعاينة تجرى في نفس الصالة وأمام أعين الجميع، حيث جلس الخواجة المدير في ركن الصالة و اصطفّ المتنافسون على الكراسي يحملون مظاريف شهاداتهم الجامعية ويصلحون ربطات أعناقهم. وبدأ جمع المتنافسين يجلسون أمام الخواجة محاولين إظهار مهاراتهم اللغوية ولباقتهم والمندور حائرا في سبب جلوسه بلا شهادات ولا مظهر ولا حتى عمره يتناسب مع الوظيفة. وفجأة قرر الخروج من هذا المأزق لاعنا السمسار واليوم الذي عرفه فيه. وتحرك نحو باب الخروج فإذا به يسمع الخواجة يصيح:ـ Hi Guy, come hear)) (يا ولد.. تعال هنا) إلتفت مندور ليتأكد من أنّه المقصود، فأومأ الخواجة مؤكدا. إتجه نحو منصة المعاينة، فسأله الخواجة أسئلة متتالية (من أنت ولماذا جئت إلى هنا و لماذا ترتدي هذا الجلباب، و أين شهاداتك؟؟) أجاب مجذوب بطلاقة ولباقة حيّرت الحاضرون حوله. قال للخواجة:ـ (أنا حضرت بالأمس فقط من قرية في شمال السودان منطقة عبري عبري لعلك قد سمعت بها يا سيّدي فهي منطقة أثرية يقصدها من بلادكم السوّاح والمهتمون بالآثار، وقد كانت لي علاقات طيّبة مع هؤلاء السواح وكنت أستضيفهم في منزلنا، وتعلمت منهم الكثير غير إجادة اللغة لإنجليزية..
    ضحك الخواجة وقال:ـ ( أنت مندور، أليس كذلك؟؟ كيف حال بقية الأسرة، وكيف حال عمدتكم؟)
    تذكّره مندور جيّدا (مستر مايكل) كان مع ثانِ وفد يستضيفه يوم انهزام العمدة أمامه وهو صغير يافع ..
    قام الخواجة وسط دهشة الجميع وطلب منهم الإنصراف لأنّه اختار الفتي صاحب الجلباب الملوّن للوظيفة..
    و اعترض ضابط برتبة لواء كان قد حضر مع ابن أخيه ليتوسّط له، وخاطب مندور مباشرة:ـ (إنت جايي من وين يا مقطّع وين شهاداتك؟؟ إنت ما قريت في الإعلان بتاع الوظيفة دية إنو طالبين شهادات جامعية ؟؟ يلّلا روح أطلع برّه بلاش فوضى معاك)
    وخاف المندور وتوجه نحو الباب لولا أنّ الخواجة أمسك بيده وأجلسه وتحدّث مع
    اللواء، وعرف منه أنّه يريد الوظيفة لابن أخيه الذي يرى أنّه أكفأ من هذا الفتى. وفي اللحظة قرّر الخواجة أن يمتحن الشابين تحريريا. ومن يتفوق على رفيقه يفوز بالوظيفة. ووافقه الضابط على الفور وهو واثق من أنّ ابن أخيه الخريج المخضرم سيفوز بالوظيفة.
    دخل مستر مايكل مكتبه وحرر ورقة الإمتحان. وخرج إليهم بعد خمس دقائق يحمل الورقتين. الإمتحان مكوّن من عشرة أسئلة.. والإجابة بنعم أو لا ..جلس المتنافسان والمستر مايكل واقف أمامهما وقد حدد لهما الزمن بخمس دقائق فقط. كان السؤال الأول :ـ (هل تمت إدانتك في جريمة تخلّ بالشرف و الأمانة؟؟)
    أجاب مندور بلا (طبعا) أما إجابة منافسه المهندم فكانت نعم ..
    ضحك مستر مايكل وأخذ منهم ورق الإختبار. وخاطب سعادة اللواء قائلا:ـ
    سعادتك إبنك يقول أنه أدين في جريمة مخلّة بالشرف والأمانة. فهو لا يلزمنا ..وما كان من سعادة اللواء (بعد أن قرأ إجابة ابن أخيه) إلّا أن صفع المسكين صفعة دوّى صدى صوتها في أرجاء القاعة. وهنأ الفتى بفوزه بالوظيفة و أعطاه كرت زيارة طالبا منه أن يزوره في بيته ..
    كانت الوظيفة مكسبا كبيرا للمندور، فهي وظيفة علاقات عامة تتيح له حرية الحركة ومتابعة الجامعة. وهي تتيح له أيضا فرصة اللقاء بالكثير من الأجانب وإرسالهم لأخيه في عبري حيث البيت النوبي و الآثار. هذا بالإضافة للراتب الكبير الذي يفوق ضعف راتب خريجي الجامعات في الشركات الوطنية ..
    سرعان ما تأقلم الشاب النوبي على الوظيفة بمساعدة مستر مايكل، وذاك الصديق اللدود اللواء شرطة ممدوح. فقد أصبح مندور صديقا لأسرته المكونة من زوجته بنتين، وقد كانوا من تلك القبائل النازحة من شمال الوادي المستوطنة في دنقلا. كان المندور يزورهم على الدوام ويقدّم لهم الكثير من الخدمات. وكان سعادة اللواء يصفه بالإبن الذي وهبه الله له ولم يلده. وكان أيضا يدرس البنت الصغرى سُها (أولى ثانوي) مادة اللغة الإنجليزية. كانت بيضاء، حلوة، وذكية.. ولم ينس الفتى عهده مع ابنة عمه لكنه كان بين نارين أبردهما بعيدة..
    إستفاد مندور أيّما فائدة من علاقات صاحب السعادة وخاصة في مصلحة الجمارك وما أدراك ما التخليص الجمركي والحاويات..
    أما بالنسبة للجامعة فلم تواجهه صعوبة إطلاقا.. كان يتابع المحاضرات الفائتة من دفاتر زملائه والمراجع التي كان يشتريها أحيانا من الجامعة، وأحيانا يطلبها له مستر مايكل من لندن مباشرةً. وكان الأوّل في دفعته بلا منافس.
    كتب لعمّه يخبره بأوضاعه المتحسنة، ويطلب منه يد إبنته نور. وجاءه الرد من نور
    نور نفسها، تطلب منه ترك السودان والعيش معها في مصر بعد تخرجه. وأنّه سوف يجد العمل في مصر أفضل منه في السودان ..
    واحتفظ بالخطاب ولم يرد عليه أبدأً أبداً ...
    تخرج المندور بامتياز في جامعة النيلين / كلية الآداب / قسم اللغة الإنجليزية. وما يزال مستمرا في العمل مع شركة البترول الماليزية التي أوشكت فترة تعاقدها مع الحكومة السودانية على الإنتهاء..
    أما تلميذته النجيبة سها، فقد نجحت بتفوق في امتحان الشهادة وأحرزت مجموعا أهّلها لدخول كلية الطب جامعة الخرطوم. وأهداها والدها سيّارة (كليك) جديدة. وأهداها المندور عقدا لؤلؤا وساعة ذهبية و دبلة الخطوبة. وأهدته صورتها ليضعها في محفظته.. وإستمرت علاقة المندور مع اللواء و أسرته حميمة، فقد كان فعلا إبنا بارا للواء وحرمه وأخا خلوقا لبناتهم. كان دائما يؤدي أي عمل يكلّفه به سعادة اللواء بأمانة و صدق. كثيرا ماكان يكلّفه بشراء أو إصلاح المعدات الكهربية وأثاث المنزل وحاجياته الأخرى. وكان المندور قد خبر السوق تماما بحكم وظيفته مما جعل سعادة اللواء يرتاح له ارتياحا شديدا مما جعله يطلب منه أن يكون زوج المستقبل لابنته الصغرى طالبة الطب. إذ لم يخف على الوالد الودّ المتبادل بين ابنته والمندور، ففاتح ابنته بالأمر في البداية ولمّا وجد منها القبول فاتحه هو فرحّب وفرح أيّما فرح.
    سُها وما أدراكما السها؟؟؟ هل تعرفون معنى كلمة سها ؟؟؟
    هي مجموعة من النجوم البعيدة مما جعلها تبدو متراصّة وصغيرة في حجمها وشكلها أقرب للمجرّة أو قل الثريا. وهكذا كان طبعها وطابعها. صبوحة المحيّا، وضيئة الوجه، أنيقة المظهر والملبس، ممشوقة القوام. بينما الفتى الريفي لم يكن يهتم بمظهره كثيراً، فقد كان اهتمامه بالجوهر أكبر، يتمتع بالأمانة والمروءة وحبّ خدمة معارفه وأهله. لم يكن وسيما وقد تجسّدت فيه الملامح النوبية بشدّة. كان قصيرا نحيفا قمحي اللون، عيناه صغيرتان وأنفه دقيق. على كل حال فقد كان جذابا محبوبا لكل من عرفه وتعامل معه عن قرب، بالرغم من أنّ الإنطباع الأول لمن يراه للوهلة الأولى لا يعكس حقيقة روحه الطيّبة .
    .



      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 14, 2017 4:53 am